الدكتور علي العيسائي في «فوانيس الوصال»: السيادة العُمانية على مضيق هرمز ثابتة.. والإبحار فيه تحكمه قواعد دولية
فوانيس الوصال
الوصال ــ يضع الدكتور علي العيسائي رئيس الهيئة الاستشارية الأسبق للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون، والدبلوماسي وعضو مجلس الدولة السابق، مضيق هرمز في صدارة المشهد الإقليمي والدولي، موضحًا أن هذا الممر البحري لم يعد مجرد عنوان حاضر في نشرات الأخبار، بل تحول إلى نقطة ارتكاز في حسابات الحرب والسلم، وفي معادلات أمن الطاقة والتجارة والملاحة الدولية، بالنظر إلى ما يمثله من أهمية استراتيجية تتجاوز حدوده الجغرافية الضيقة إلى تأثيرات تمس العالم بأسره.
جاء ذلك خلال حديثه في برنامج «فوانيس الوصال» التي يأتيكم من بيت الجريزة التاريخي، مع الإعلامي سالم العمري عبر إذاعة الوصال.
ممر ضيق.. وتأثير يتجاوز الجغرافيا
ويتناول الدكتور علي العيسائي مضيق هرمز بوصفه واحدًا من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، مبينًا أن خطورته لا تقاس فقط بضيق مساحته، وإنما بما يترتب عليه من نتائج عسكرية وسياسية واقتصادية. ويشير إلى أن المنطقة التي تدور حولها كل هذه الحسابات لا تتجاوز في بعض أجزائها بضعة أميال، إلا أن هذه المسافة المحدودة ظلت مؤثرة في رسم السياسات الدولية، وفي تحديد اتجاهات الصراع في المنطقة.
ويبين أن أهمية المضيق لا تنفصل عن كونه عقدة عبور رئيسية بين الخليج العربي وبحر عُمان، الأمر الذي جعله على الدوام محل اهتمام القوى الكبرى، سواء من زاوية حماية الملاحة أو من زاوية السيطرة على حركة الطاقة والأسواق، لافتًا إلى أن الحرب الدائرة في المنطقة أعادت هذا المضيق إلى واجهة الاهتمام العالمي بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة الراهنة.
السيادة العُمانية وحدود الإبحار
ويشرح العيسائي أن موقع عُمان في هذا الملف يرتبط بإشرافها على الجزء الجنوبي من المضيق، غير أن هذا الإشراف لا يمكن فهمه بمعزل عن الإطار القانوني الدولي المنظم لحركة الملاحة. ويؤكد أن المسارات الأساسية التي تعبر منها السفن تقع في نطاق البحر الإقليمي العُماني إلى حد بعيد، وهو ما يثبت السيادة المكانية والوظيفية لعُمان على هذه المنطقة، لكن هذه السيادة لا تعني امتلاك حرية مطلقة في وقف الإبحار أو تقييده خارج ما يسمح به القانون الدولي.
ويضيف أن المسألة هنا تحتاج إلى تمييز دقيق بين أنواع المرور البحري، إذ إن القانون الدولي للبحار يفرق بين المرور البريء، والمرور الحر، والمرور العابر، ولكل واحد منها أحكامه وآثاره. فالمرور البريء يتعلق بالمياه الإقليمية في حالته التقليدية، ويمنح الدولة الساحلية سلطة أوسع في الرقابة والتنظيم، بينما يتصل المرور الحر بالمناطق الواقعة بعد البحر الإقليمي، أما المرور العابر فيخص المضايق الدولية التي تربط بين بحرين أو منطقتين بحريتين، وهو النمط الذي ينطبق على مضيق هرمز.
المرور العابر.. جوهر الإشكال القانوني
ويؤكد العيسائي أن مضيق هرمز، من الناحية القانونية، يخضع لنظام المرور العابر، وهو نظام أقرب إلى حرية الملاحة منه إلى المرور البريء، ما يعني أن السفن التجارية والعسكرية تستطيع العبور فيه دون أن يكون للدولة الساحلية حق إيقاف هذا العبور أو تعطيله، شريطة أن يتم بشكل سريع ومنتظم، ودون ممارسات تضر بأمن الدولة الساحلية أو تمس سلامتها.
ويرى أن جوهر الالتباس الشائع في فهم مضيق هرمز يكمن في الخلط بين السيادة العُمانية على المكان، وبين السلطة على الإبحار ذاته. فالمكان، بحسب ما يوضحه، يخضع للسيادة العُمانية من حيث الموقع والوظيفة وسائر الأنشطة غير المرتبطة بالملاحة، مثل الصيد أو إجراء البحوث أو أي استخدام آخر خارج إطار المرور، لكن الملاحة ذاتها تخضع في هذا الجزء من المضيق لأحكام القانون الدولي، وتندرج ضمن مسؤولية جماعية تحكمها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والنظام الدولي الملاحي.
بين البحر الإقليمي والمنطقة الاقتصادية
ويتوقف العيسائي عند الفارق بين البحر الإقليمي والمنطقة الاقتصادية الخالصة، مبينًا أن البحر الإقليمي يمتد عادة إلى اثني عشر ميلًا بحريًا من الساحل، وتكون للدولة عليه سلطات محددة، في حين تمتد المنطقة الاقتصادية إلى مسافات أكبر وفق ما تسمح به الظروف الجغرافية، ويكون فيها الإبحار أكثر تحررًا. غير أن المضايق الدولية أوجدت وضعًا قانونيًا خاصًا، لأن توسيع البحر الإقليمي في كثير من دول العالم كان سيؤدي إلى إدخال ممرات استراتيجية كاملة ضمن نطاق السيادة الساحلية المباشرة، وهو ما استدعى ابتكار نظام «المرور العابر» كحل وسط يوازن بين سيادة الدولة الساحلية وحرية الملاحة الدولية.
ويشير إلى أن هذا الترتيب القانوني هو الذي يفسر لماذا تتمتع عُمان بحقوق سيادية واضحة في المضيق من حيث الإدارة والتنظيم والسلامة ومنع الأنشطة غير الملاحية، وفي الوقت نفسه لا تملك، وفق هذا النظام، أن تتصرف في المرور البحري كما لو كان مجرد مرور داخلي خاضع لإرادتها المنفردة.
تنظيم الملاحة لا يعني التحكم في مسارها
وفي هذا السياق، يلفت العيسائي إلى أن هناك نظامًا تنظيميًا دقيقًا معمولًا به في المضيق، تتولاه الجهات المختصة في سلطنة عُمان لمتابعة حركة السفن وتحديد المسارات وضمان السلامة ومنع التصادم، مشيرًا إلى أن هذا الدور يندرج ضمن السيادة التنظيمية والإشرافية، لا ضمن سلطة تعطيل الملاحة أو فرض قيود تعسفية عليها. فالسفن، وخاصة الكبيرة منها، ملزمة بالتقيد بالمسارات المعتمدة وبإجراءات الإبلاغ والتنسيق، لكن ذلك كله يأتي في إطار تنظيم المرور لا في إطار مصادرته.
ويؤكد أن السفن العسكرية والتجارية على السواء تخضع لهذا النظام من زاوية السلامة والتنسيق، غير أن هذا لا يمنح عُمان حق منع العبور، بل يمنحها حق تنظيمه ضمن حدود القانون الدولي، وتفادي أي حوادث أو احتكاكات قد تنشأ عن الازدحام أو سوء الفهم أو التداخل بين القطع البحرية المختلفة.
لماذا لا يصح تحميل عُمان ما لا يتيحه القانون؟
ويشدد العيسائي على أن من الخطأ مطالبة عُمان بالتعامل مع المضيق كما لو كان ممرًا داخليًا خالصًا يمكن إغلاقه أو فرض السيطرة الكاملة عليه بقرار أحادي، لأن الإطار القانوني الدولي لا يمنح الدولة الساحلية هذه الصلاحية في حالة المرور العابر. ويعتبر أن كثيرًا من الطروحات المتداولة تتجاهل هذا الفارق، فتخلط بين كون الممر يقع ضمن البحر الإقليمي العُماني، وبين كون العبور فيه تحكمه قواعد دولية ملزمة.
ومن هذا المنطلق، يرى أن أي حديث عن مسؤولية عُمان المباشرة في وقف السفن أو منعها أو التصدي منفردة لكل ما يجري في المضيق، لا ينسجم مع ما يتيحه القانون الدولي، لأن مسألة الإبحار في هذا النوع من المضايق ليست شأنًا محليًا صرفًا، بل قضية دولية تخضع لقواعد معروفة، فيما تبقى مسؤولية عُمان قائمة في حدود ما يتعلق بالتنظيم والسلامة والسيادة الوظيفية على المنطقة.
مضيق تحكمه الجغرافيا.. لكن يفصله القانون
ويخلص العيسائي في هذا المحور إلى أن مضيق هرمز لا يمكن فهمه فهمًا صحيحًا دون الجمع بين الجغرافيا والقانون. فالجغرافيا تفسر ضيق المساحة وحساسية الموقع، بينما يحدد القانون الدولي طبيعة المرور والحقوق والواجبات المترتبة على الدول المشاطئة والسفن العابرة. وبين هذين البعدين تتحدد مكانة عُمان، لا باعتبارها دولة متفرجة على ما يجري، ولا بوصفها صاحبة سلطة مطلقة على كل ما يمر في المضيق، بل باعتبارها دولة ذات سيادة واضحة على المكان، ودور تنظيمي محوري، ضمن نظام دولي دقيق يوازن بين حقها السيادي وضرورات الملاحة العالمية.
لمتابعة حلقة «فوانيس الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


