د. يوسف الملا لـ«الوصال»: الدواء المغشوش قد يمنح المريض وهم العلاج بينما يتقدم المرض بصمت إلى مراحل أخطر
ساعة الظهيرة
الوصال ــ حذر الدكتور يوسف بن علي الملا، الطبيب والكاتب الطبي، من خطورة الأدوية المغشوشة على صحة الإنسان، مؤكدًا أنها لا تمثل مجرد منتج غير مطابق أو مخالفة تجارية، وإنما تهديدًا صحيًّا مباشرًا قد يقود إلى فشل العلاج وتفاقم المرض وتعريض حياة المريض للخطر.
جاء ذلك خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة»، مبينًا أن المريض حين يتناول الدواء يفعل ذلك على أساس الثقة بأنه يحتوي على المادة الفعالة بالجرعة الصحيحة والجودة المطلوبة، غير أن هذه الثقة قد تنهار تمامًا في حال كان الدواء مغشوشًا أو خاليًا من المادة الفعالة، أو يحتوي على جرعة أقل من المطلوب، بما يجعل المريض يظن أنه يتلقى العلاج بينما يستمر المرض في التقدم بصمت.
تهديد مباشر
وأضاف الملا أن خطورة الأدوية المغشوشة تتضاعف في الحالات التي تعتمد على العلاج الدقيق والمستمر، لأن أي خلل في الجرعة أو في المادة الفعالة قد يفضي إلى نتائج كارثية، خاصة في الأمراض المزمنة أو المستعصية التي تتطلب متابعة علاجية دقيقة. وأشار إلى أن بعض المرضى قد يصلون إلى مراحل يصعب فيها تدارك حالتهم بسبب الاعتماد على دواء غير فعّال أو غير مطابق، لافتًا إلى أن عددًا من التقارير والأبحاث الدولية اعتبرت الأدوية المغشوشة من أخطر التهديدات الصحية، خصوصًا في الدول التي تضعف فيها الرقابة الدوائية أو تتراجع فيها مستويات الضبط والمتابعة.
ربح على حساب المريض
وأوضح أن اللجوء إلى تصنيع الأدوية المغشوشة يرتبط في كثير من الأحيان بالسعي إلى الربح على حساب سلامة المريض، مبينًا أن بعض الجهات أو المصانع في البيئات ذات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدنية قد تطرح هذه الأدوية بهدف تحقيق مكاسب مالية سريعة، من دون اكتراث بفعالية العلاج أو نتائجه الصحية. ولفت إلى أن هذه الممارسات لا تندرج ضمن إطار الغش التجاري فقط، بل تمثل جريمة صحية وإنسانية قد تؤدي إلى فقدان الأرواح، إلى جانب تقويض الثقة بالمؤسسات الصحية وإهدار الأموال التي تنفق على العلاج والرعاية.
مسؤولية مشتركة
وأشار الدكتور يوسف إلى أن مكافحة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون مسؤولية جهة واحدة، وإنما تقوم على شراكة بين الجهات الرقابية، والمؤسسات الصحية، والصيادلة، والأطباء، فضلًا عن الأفراد أنفسهم، من خلال الحرص على شراء الأدوية من مصادر موثوقة، والإبلاغ عن أي منتج يثير الشك أو الشبهة. وأضاف أن الأفراد الذين يلجؤون إلى شراء أدوية من مصادر غير مرخصة أو عبر مواقع إلكترونية وحسابات غير رسمية يكونون أكثر عرضة للوقوع في هذا الخطر، خاصة إذا تعلق الأمر بأدوية مرتفعة الثمن أو بمنتجات يروج لها باعتبارها حلولًا سريعة أو وصفات استثنائية للعلاج أو التخسيس أو التنشيط.
الفئات الأكثر عرضة
وبيّن الملا أن أكثر الفئات عرضة لمخاطر الأدوية المغشوشة تشمل مرضى الأمراض المزمنة، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والكلى والربو، إلى جانب مرضى السرطان والأمراض المناعية، والأطفال، وكبار السن، نظرًا إلى اعتماد هذه الفئات على أدوية محددة بجرعات دقيقة وفترات علاج منتظمة. وأكد أن أي نقص أو تغيير في مكونات الدواء بالنسبة إلى هذه الفئات قد ينعكس مباشرة على نتائج العلاج وفرص التحسن أو الشفاء، مشيرًا إلى أن الأطفال وكبار السن يعدون من أكثر الفئات حساسية لتأثيرات الأدوية المغشوشة بسبب طبيعة أجسامهم واحتياجاتهم العلاجية الخاصة.
وعي المستهلك
ولفت إلى أن الوعي المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه المشكلة، موضحًا أن على المستهلك التأكد من أن الدواء مأخوذ من صيدلية مرخصة تخضع للتفتيش والرقابة، وأن يحرص على فحص عبوة الدواء والتأكد من سلامة التغليف، ووضوح اسم الدواء والشركة المصنعة، ورقم التشغيل، وتاريخ الصلاحية، ووجود النشرة الدوائية، مع الانتباه لأي تغير غير معتاد في اللون أو الرائحة أو شكل الأقراص. وأضاف أن عدم الاستجابة المتوقعة للعلاج قد يكون في بعض الحالات مؤشرًا مهمًّا يستدعي مراجعة الطبيب والجهات المختصة، بدل افتراض أن المشكلة في المرض نفسه فقط.
رقابة دوائية
وأكد الملا أن سلطنة عُمان تمتلك منظومة رقابية دوائية متقدمة تشرف عليها الجهات الصحية المختصة، وفي مقدمتها وزارة الصحة، إلى جانب وجود جهات تنظيمية معنية بتسجيل الأدوية واستيرادها ومراقبتها. غير أنه شدد في الوقت نفسه على أن قوة الأنظمة الرقابية لا تغني عن وعي المستهلك ويقظته، لأن الخطر يبدأ غالبًا من التساهل في شراء الأدوية من مصادر مجهولة أو من حسابات غير موثوقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر مواقع إلكترونية غير معتمدة.
دور التقنية
وفي ما يتعلق بدور التقنيات الحديثة، أشار الملا إلى أن التطورات الرقمية والذكاء الاصطناعي يمكن أن تسهم بدرجة كبيرة في الحد من الغش الدوائي، من خلال أنظمة تتبع العبوات الدوائية إلكترونيًّا، والرموز الذكية، وتقنيات توثيق حركة الدواء من المصنع حتى وصوله إلى المريض، إلى جانب الاستفادة من أدوات تحليل البيانات لرصد الأنماط غير الطبيعية التي قد تكشف وجود نشاط مشبوه. وأوضح أن هذه الوسائل، على أهميتها، لا تقضي تمامًا على المشكلة، لأنها ليست مسألة تقنية فقط، بل ترتبط كذلك بجوانب اقتصادية وقانونية وأخلاقية، وهو ما يجعل مكافحتها قائمة على تكامل ثلاثة عناصر رئيسة، تتمثل في التقنية المتقدمة، والرقابة التشريعية الفاعلة، والوعي الفردي والمجتمعي.
وختم الدكتور يوسف بن علي الملا بالتأكيد على أن وعي الفرد يظل عنصرًا حاسمًا في حماية المجتمع من مخاطر الأدوية المغشوشة، لأن المستهلك هو الحلقة الأخيرة في سلسلة تداول الدواء، وهو الأقدر على رصد الخلل أو الشكوى أو طلب التحقق عند وجود أي شبهة، بما يعزز من سلامته الشخصية ويدعم في الوقت نفسه جهود المنظومة الصحية والرقابية في الحد من هذه الظاهرة.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


