الوصال ـ دعا أحمد الزدجالي، مليك وخطيب، خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، إلى وضع آلية واضحة لاختيار عاقدي الزواج وتدريبهم واختبارهم في الجوانب الشرعية والقانونية، إلى جانب منحهم تكليفًا رسميًا يحدد طبيعة عملهم ومسؤولياتهم، مؤكدًا أن دور «المليك» لا يقتصر على ترديد صيغة العقد، وإنما يرتبط ببناء أسرة والتأكد من سلامة الإجراءات التي يقوم عليها الزواج. وقال الزدجالي إن السنوات الأخيرة شهدت تسهيلات في إجراءات الزواج والتوثيق، مثمنًا ما يقوم به المجلس الأعلى للقضاء ودائرة الكاتب بالعدل في هذا الجانب.

وأضاف أن عاقد الزواج يتعامل مع «ميثاق غليظ»، ولذلك تبدأ مسؤوليته بالتأكد من اكتمال أركان الزواج شرعًا وقانونًا، ووجود الإيجاب والقبول وموافقة الولي واستيفاء الحقوق المرتبطة بالعقد. وأكد أن المهر حق للمرأة وتكريم لها، وليس ثمنًا لها، مشددًا على أهمية التعامل مع عقد الزواج على أساس ما يحمله من مسؤولية أسرية واجتماعية.

مطالبة بتدريب عاقدي الزواج واختبارهم

ورأى الزدجالي أن أحد أبرز التحديات يتمثل في عدم وجود تكليف رسمي للعاقد بالشكل الذي يحدد صفته واختصاصاته، مقترحًا وضع آلية لاختيار العاقدين وإخضاعهم للتدريب والاختبارات في المسائل الشرعية والقانونية. وأضاف أن وجود وصف محدد للمهمة يساعد العاقد على معرفة حدود مسؤولياته وعدم تجاوزها، خصوصًا مع ازدياد الإجراءات القانونية المرتبطة بعقود الزواج. وأكد أن العاقد أصبح يتحمل مسؤولية كبيرة، وهو ما يجعل التأهيل، من وجهة نظره، ضرورة وليس إجراءً شكليًا.

البيانات أولًا ثم سؤال المرأة والولي

وشرح الزدجالي الطريقة التي يتبعها عند تلقي طلب عقد زواج، موضحًا أنه يطلب في البداية بيانات الزوج والزوجة وولي الأمر وفق المعلومات اللازمة لإدخالها في منصة التوثيق، ومنها الأسماء وأرقام البطاقات الشخصية وتواريخ انتهائها وتواريخ الميلاد ومحل السكن والوظائف.

وأضاف أنه بعد اكتمال المعلومات يحدد موعدًا للقاء الأسرة وسؤال المرأة عن موافقتها على الزواج، إلى جانب التأكد من موافقة ولي الأمر ومعرفة ما إذا كان سيتولى العقد بنفسه أو سيوكل شخصًا آخر. وأشار إلى أنه يستكمل بعد ذلك أي معلومات ناقصة، ويتأكد كذلك من استيفاء الفحص الطبي قبل الزواج ضمن الإجراءات المستجدة.

وأوضح أن سؤال المرأة يكون غالبًا بحضور ولي الأمر والشاهدين، مع منحها مساحة للتعبير عن رأيها، مؤكدًا حرصه على إعادة السؤال والتأكد من أنها موافقة وغير واقعة تحت أي ضغط لإتمام الزواج. وأضاف أن الولي قد يكون الأب، أو من تنتقل إليه الولاية وفق الحالة الشرعية والقانونية إذا كان الأب متوفى، أو من تثبت له الولاية بحسب الإجراءات المعمول بها.

أوقف عقدًا لأن المطلقة لم تكمل عدتها

واستعرض الزدجالي موقفًا واجهه عندما طُلب منه بصورة عاجلة إجراء عقد زواج بعد اعتذار عاقد آخر عن الحضور، موضحًا أنه بعد وصوله وسؤال الأسرة عن الحالة الاجتماعية للمرأة اتضح أنها مطلقة منذ شهر واحد فقط. وقال إنه رفض إتمام العقد رغم حضور المدعوين ودفع المهر والاستعداد للمناسبة، لأن المرأة كانت ما تزال في عدتها ولم تستوفِ المدة الشرعية اللازمة.

وأضاف أنه أوضح الأمر للحضور وأوقف العقد بصورة نهائية، معتبرًا أن مثل هذه الحالات تظهر أهمية معرفة العاقد بالأحكام الشرعية وعدم التعامل مع المهمة باعتبارها إجراءً بسيطًا يمكن لأي شخص تنفيذه.

المعرفة الشرعية والقانونية ضرورة

وأكد الزدجالي أن التدريب مهم لأن الزواج يرتبط بمسائل شرعية قد يؤدي الجهل بها إلى الوقوع في أخطاء تمس صحة العقد. وأشار إلى أن المسؤولية لم تعد شرعية فقط، وإنما أصبحت ترتبط كذلك بإجراءات قانونية من بينها التحقق من إجراء الفحص الطبي قبل الزواج. وأضاف أن العاقد ينبغي أن يرى ما يثبت إجراء الفحص للطرفين قبل إتمام العقد، معتبرًا أن هذا الإجراء يهدف إلى حماية الصحة وتوضيح المخاطر أمام المقبلين على الزواج.

لا أجر ملزم للمليك

وحول المقابل المالي الذي يحصل عليه عاقد الزواج، قال الزدجالي إن المتعارف عليه اجتماعيًا أن المليك يؤدي عمله بصورة تطوعية، ولا توجد أجرة ملزمة يدفعها أصحاب العقد له. وأضاف أن بعض الأسر تقدم له مبلغًا من تلقاء نفسها تقديرًا لما يبذله من وقت وجهد وما يتحمله من مصاريف الانتقال والأوراق وترك أعماله الخاصة لحضور العقد.

وأكد أن الأمر ليس إلزاميًا، مشيرًا إلى أنه يراعي كذلك ظروف الأسر، وقد يرفض أحيانًا أخذ ما يقدم له إذا كانت الأسرة محدودة الدخل، ويتعامل معه باعتباره مساعدة لها.

بطاقة تمنح الأسر والعاقد مزيدًا من الاطمئنان

وطالب الزدجالي بإصدار بطاقة رسمية لعاقد الزواج، موضحًا أن العاقدين معروفون حاليًا في مجتمعاتهم بحكم الممارسة والمعرفة الشخصية، إلا أن وجود بطاقة سيمنح الزوجين والأسرة قدرًا أكبر من الاطمئنان.

وقال إنه يمارس هذا العمل منذ نحو ثلاثة عقود، لكنه يرى أن ارتباط العاقد بجهة رسمية وتحديد مسؤوليته القانونية سيساعد على تنظيم المهمة وضمان التزام القائم بها بالاشتراطات والإجراءات. وأضاف أن بعض جوانب التوثيق ما تزال تتطلب تواصل الزوج والزوجة والولي مع الكاتب بالعدل، معتبرًا أن منح العاقد صلاحيات منظمة ومحددة قد يسهم في تسهيل بعض الإجراءات.

سبعة عقود في ليلة واحدة

وتحدث الزدجالي عن محدودية أعداد من يمارسون مهمة عقد الزواج في بعض المناطق، مشيرًا إلى أنه اضطر في إحدى المناسبات إلى إجراء نحو سبعة عقود في مكان واحد خلال ليلة واحدة. وأضاف أنه بدأ تدريب عدد من الخطباء الشباب في المساجد وتشجيعهم على اكتساب المعرفة اللازمة لتغطية احتياجات المناطق التي يقل فيها عدد العاقدين، مؤكدًا استعداده لتقديم ما يحتاجونه من تعليم وأوراق وخبرة عملية.

دور المليك لا ينتهي بعد توقيع العقد

ويرى الزدجالي أن مسؤولية عاقد الزواج يمكن أن تتجاوز إتمام العقد إلى توعية الأزواج بأهمية الحياة الزوجية والمودة والرحمة والحقوق والواجبات المتبادلة. وأضاف أن المقبلين على الزواج يحتاجون إلى معرفة طبيعة المسؤولية التي يدخلون إليها، مقترحًا إقامة برامج ودورات تساعدهم على فهم الحياة الأسرية بصورة أكبر.

وأشار إلى أن بعض الأزواج الذين عقد لهم يتواصلون معه لاحقًا عند حدوث خلافات، باعتباره قريبًا منهم وفي مقام الأب أو الولي، موضحًا أنه يسعى إلى مساعدتهم في حل المشكلات البسيطة وحثهم على عدم إخراج خلافاتهم خارج نطاق الأسرة إلا عند الحاجة إلى شخص موثوق للاستعانة به. وقال إنه استطاع التدخل في عدد من الخلافات ومساعدة الأزواج على تجاوزها، معتبرًا أن الشباب يحتاجون أحيانًا إلى من يأخذ بأيديهم ويوجههم في بداية حياتهم الأسرية.

تأخر الفحص الطبي أحد التحديات

وأشار الزدجالي إلى أن تأخر صدور نتائج الفحص الطبي في بعض الحالات يمثل تحديًا أمام الأسر، خصوصًا عندما تكون لديها مواعيد محددة للعقد وترتيبات مرتبطة بالمدعوين والمناسبة. ورحب بالربط الإلكتروني بين الجهات الصحية والكاتب بالعدل، لكنه أوضح أن عاقد الزواج نفسه يحتاج إلى الاطلاع على ما يثبت إجراء الفحص للطرفين قبل إتمام العقد. وأكد أن الفحص أصبح من الإجراءات الأساسية التي ينبغي التحقق منها، إلى جانب بقية المتطلبات الشرعية والقانونية.

«العقد أصبح مثل العرس»

وانتقد الزدجالي ما وصفه بتوسع مظاهر الاحتفال بعقد الزواج خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن المناسبة كانت في السابق تقتصر بدرجة أكبر على أسرتي الزوج والزوجة والمقربين. وقال إن بعض عقود الزواج أصبحت تستقطب مئات المدعوين، وقد يصل العدد في بعض الحالات إلى 700 أو 800 أو 900 أو حتى ألف شخص، ما يسبب إرهاقًا ماليًا وجسديًا للزوجين والأسرتين. وأضاف أن تعدد التجمعات بين عقد الزواج والعرس ونقل الزوجة وغيرها يضيف أعباء على الطرفين، داعيًا إلى إعادة المناسبة إلى قدر أكبر من البساطة.

يوثق عقوده منذ التسعينيات

وأوضح الزدجالي أنه يوثق العقود التي أجراها منذ بدايات عمله في أواخر تسعينيات القرن الماضي، ويحتفظ بالأسماء وأرقام البطاقات والتواريخ والتفاصيل المرتبطة بكل حالة. وأضاف أنه يعتزم نقل هذا السجل إلى صيغة إلكترونية حتى يبقى مرجعًا يمكن العودة إليه مستقبلًا. وقال إن دخوله هذا المجال جاء في فترة كان فيها عدد العاقدين قليلًا في بعض القرى والولايات، إلى جانب وجود تجربة أسرية سابقة، إذ كان آباؤهم يعملون في الخطابة وعقد الزواج والإصلاح بين الناس.

مكافأة قد تشجع الشباب على تحمل المهمة

وحول ندرة العاقدين في بعض المناطق، اقترح الزدجالي أن يكون هناك تشجيع من الجهات المختصة للشباب المؤهلين، سواء من خلال تكليف منظم أو عمل جزئي أو مكافأة محددة مقابل تحمل هذه المسؤولية. ورأى أن حجم المهمة ازداد مع تنوع الإجراءات وازدياد حالات الزواج من الخارج وما يصاحبها من متطلبات تتعلق بالموافقات والتصديقات والفحوصات.

وأشار إلى أن هذه الملفات تحتاج إلى شخص لديه معرفة شرعية وقانونية وقدرة على التعامل مع الأسر والإجراءات الرسمية.

التصوير مقبول.. وإظهار المهور مرفوض

وحول انتشار تصوير مراسم عقد الزواج، رأى الزدجالي أن التصوير المعتاد للمناسبة يواكب العصر ويمكن أن يكون مشجعًا للشباب على الزواج. لكنه أبدى تحفظه على تصوير الأموال والمهور المقدمة للمرأة ونشرها، موضحًا أن القدرات المالية تختلف بين الناس، وأن إظهار هذه التفاصيل يمكن أن يفتح بابًا للمقارنة بين الأسر. أما توثيق حضور العريس ومراسم العقد بصورة معتدلة، فرأى أنه أمر جيد ولا يرى فيه إشكالًا.

أكثر من 500 عقد

وكشف الزدجالي أنه تجاوز 500 عقد زواج خلال مسيرته، مشيرًا إلى أن بعض الشباب يتواصلون معه قبل مراسم العقد بسبب التوتر أو الخوف من ترديد الصيغة. وأضاف أنه يطمئنهم ويشرح لهم الصيغة مسبقًا ويدربهم عليها، ويتعامل معهم بهدوء خلال المجلس حتى يشعروا بالارتياح، مؤكدًا أن الزواج «ميثاق غليظ» يحتاج إلى استعداد نفسي واجتماعي.

واختتم حديثه بالتأكيد أن عقد الزواج ليس مجرد توثيق العلاقة بين شخصين، وإنما تأسيس أسرة تقوم على المودة والرحمة والاستمرارية، مجددًا مطالبته ببطاقة رسمية للعاقد، وتدريبه واختباره شرعيًا وقانونيًا ووضع توصيف واضح لعمله. كما دعا أولياء الأمور إلى مراعاة ظروف الشباب في المهور، مشيرًا إلى أنه يلاحظ تزايد الإقبال على الزواج من الخارج، ويربط جانبًا من ذلك، وفق رأيه وتجربته، بارتفاع المهور.

لمتابعة برنامج «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgW

--:--
--:--
استمع للراديو