علي الشيادي رحلة عطاء تمتد 30 عاما.. نموذج عُماني في العمل التطوعي
بدأ من الأسرة.. وصنع أثرا في المجتمع
الوصال - في مشهد يعكس عمق القيم الإنسانية المتجذرة في المجتمع العُماني، يبرز العمل التطوعي بوصفه أحد المسارات الحيوية في بناء الإنسان وتعزيز التماسك المجتمعي، حيث تحول إلى منظومة متكاملة تقوم على التخطيط والقيادة وصناعة الأثر المستدام.
وفي هذا السياق، تمثل تجربة المهندس علي بن طالب الشيادي ناشط في العمل التطوعي نموذجا عُمانيا ملهما في العمل التطوعي، تمتد جذوره إلى أكثر من 30 عاما، قدّم خلالها ما يزيد على 25 ألف ساعة تطوعية، وأسهم في تأسيس ومشاركة عشرات الفرق والمبادرات المجتمعية، في مسيرة اتسمت بالاستمرارية والتجدد والقدرة على التكيف مع احتياجات المجتمع.
وتعود بدايات المهندس علي الشيادي إلى مرحلة مبكرة من حياته، حين شكّلت الأسرة البيئة الأولى التي احتضنت هذا التوجه، حيث أسهم الوالدان في غرس قيم العطاء والعمل الخيري منذ الطفولة، من خلال المرافقة المباشرة في الأنشطة التطوعية، والتوجيه المستمر نحو ترك أثر إيجابي في المجتمع. وقد انعكس هذا النهج لاحقا في امتداد التجربة إلى محيطه الأسري، ليصبح العمل التطوعي جزءا من ثقافة أسرية متوارثة تقوم على القدوة والممارسة.
ومع امتداد تجربته في العمل التطوعي أصبح هذا العمل بالنسبة له التزاما متوازيا مع متطلبات الحياة المهنية والأسرية، الأمر الذي تطلب إدارة واعية للوقت والجهد، قائمة على تحقيق التوازن بين مختلف المسؤوليات. وفي هذا الإطار، أكد الشيادي أن العمل التطوعي الاحترافي يحتاج إلى رؤية واضحة، وتخطيط منهجي، وتوظيف دقيق للمهارات بما يضمن تحقيق أثر ملموس دون الإخلال بجوانب الحياة الأخرى.
كما يعكس انخراطه في تأسيس العديد من المبادرات والفرق التطوعية قناعة راسخة بأن العطاء يمتد إلى صناعة الفرص وقيادة العمل، انطلاقا من دوافع دينية وإنسانية، إلى جانب خصوصية المجتمع العُماني الذي يقوم على التكافل والتراحم. وقد أسهمت البيئة الداعمة للعمل التطوعي في سلطنة عُمان، من خلال التنظيم المؤسسي والبرامج التحفيزية، في تعزيز هذا التوجه، وفتح المجال أمام الأفراد لتحويل طاقاتهم إلى مبادرات فاعلة تخدم المجتمع.
وفي قراءة لطبيعة العمل التطوعي، لفت الشيادي إلى أن هذا المجال يمثل حاجة مجتمعية حقيقية، حيث يحقق تكاملا بين الفرد والمجتمع، ويعود بالنفع على الطرفين. فالمتطوع لا يقدّم فقط، بل يكتسب في المقابل خبرات نوعية، ويطوّر مهاراته القيادية والاجتماعية، ويعزز شبكة علاقاته، بما يسهم في بناء شخصيته على أسس أكثر نضجا ووعيا.
ويرتكز هذا العمل، في جوهره، على البعد الإنساني، حيث يشكّل الإحساس بالآخر نقطة الانطلاق نحو العطاء، سواء كان ذلك من خلال الدعم المادي أو المعنوي. فالكلمة الطيبة، والمشورة الصادقة، والمبادرة البسيطة، كلها صور متكاملة للعمل التطوعي، تعكس قدرة الإنسان على التأثير الإيجابي في محيطه.
وقال الشيادي أن مع تراكم هذه التجارب، تتشكل لدى المتطوع مجموعة من المهارات الجوهرية، من أبرزها القيادة، والعمل بروح الفريق، والقدرة على الابتكار، والصبر في مواجهة التحديات، إلى جانب مهارة قراءة احتياجات المجتمع. وهي مهارات لا تتكون بشكل لحظي، بل تنمو تدريجيًا عبر التجربة والممارسة، لتصنع شخصية قادرة على المبادرة وصناعة الفرق.
وفي ظل التحولات الرقمية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يظهر تحدٍ جديد يتمثل في تحقيق التوازن بين توثيق العمل ونشره، والحفاظ على جوهر الإخلاص. وفي هذا الجانب، أكد المهندس علي الشيادي أن الإخلاص يمثل الأساس الحقيقي لأي عمل تطوعي، وأن فقدانه يفرغ العمل من مضمونه، مهما بدا ظاهريا ناجحا. مشيرا إلى أن الظهور قد يكون وسيلة إيجابية إذا وُظّف لنشر ثقافة الخير، دون أن يتحول إلى غاية بحد ذاته.
وقال أن الرحلة الطويلة في العمل التطوعي انعكست على مختلف جوانب حياته، حيث أسهمت في تعزيز روح الإصرار لديه، وتنمية قدراته القيادية، وتوسيع مداركه في فهم المجتمع واحتياجاته. كما كان لها أثر واضح في دوره الأسري، من خلال نقل هذه القيم إلى أبنائه، وإشراكهم في العمل التطوعي، بما يعزز استمرارية هذا النهج عبر الأجيال.
ويرى أن العمل التطوعي، حين يبدأ في سن مبكرة، يتحول إلى جزء أصيل من شخصية الإنسان، يصعب الانفصال عنه، حتى وإن مرّ ببعض فترات التحدي أو التراجع، مؤكدا أن التجربة المبكرة تفتح آفاقا أوسع للإبداع، وتمكّن الفرد من تطوير مبادرات تتناسب مع مختلف مراحل حياته.
ودعا المهندس علي بن طالب الشيادي ناشط في العمل التطوعي الشباب إلى المبادرة والانطلاق من محيطهم القريب، مؤكدا أن العطاء يرتبط بصدق النية، وأن كل عمل خير يعود على صاحبه بأثر مضاعف. مشيرا إلى أن بناء الإنسان، يبدأ بخطوة صغيرة، لكنها قادرة على إحداث فرق كبير في حياة الآخرين، وفي تشكيل مجتمع أكثر تماسكا واستدامة.
لمتابعة الحلقة


