الوصال - أكدت المكرمة سناء بنت عبد الرحمن الخنجرية رئيسة مجلس إدارة جمعية الرحمة لرعاية الأمومة والطفولة وعضوة مجلس الدولة أن العمل الخيري في سلطنة عُمان يشهد تحولا نوعيا نحو النماذج المؤسسية المستدامة، التي تتجاوز تقديم المساعدات الآنية إلى بناء الإنسان وتمكين الأسرة اقتصاديا واجتماعيا، مشيرة إلى أن التحول الرقمي الذي تبنته الجمعية أسهم في تسريع الإجراءات وحفظ كرامة المستفيدين، ورفع كفاءة الوصول إلى الفئات المستحقة.

وقالت إن الجمعية عملت خلال السنوات الماضية على تطوير منظومتها التشغيلية، من خلال الانتقال إلى نظام إلكتروني متكامل لإدارة طلبات المساعدة، وهو ما أسهم في تقليص زمن دراسة الحالات، وتحقيق قدر أعلى من الدقة والشفافية في اتخاذ القرار، إلى جانب تقليل الحاجة إلى الحضور الشخصي للمستفيدين، بما يعزز من خصوصيتهم ويخفف من الأعباء عليهم.

وأوضحت أن هذا التحول جاء استجابة لتزايد الطلب على خدمات الجمعية، وتنوع الحالات التي تتعامل معها، مؤكدة أن العمل المؤسسي يفرض ضرورة ترتيب الأولويات وفق معايير دقيقة، خاصة في ظل محدودية الموارد مقارنة بحجم الاحتياجات المتنامية.

وبيّنت أن بعض المستفيدين قد لا يدركون طبيعة الإجراءات التي تمر بها طلبات المساعدة، حيث تتطلب الدراسة والتحقق والتقييم عبر فرق متخصصة من الباحثين الاجتماعيين، الذين يقومون بدور محوري في تحديد أولوية الحالات، خصوصًا تلك التي تنطوي على ظروف إنسانية طارئة، مثل قضايا التنفيذ أو التهديد بالسجن، حفاظًا على استقرار الأسرة.

وأكدت أن الجمعية لم تعد تركز على تقديم الدعم المالي المباشر فقط، بل اتجهت نحو برامج التمكين، التي تهدف إلى تغيير نمط التفكير لدى الأسر، والانتقال بها من الاعتماد على المساعدات إلى الاعتماد على الذات، من خلال التدريب والتأهيل وفتح فرص العمل، مشيرة إلى أن الاستثمار في الإنسان يمثل الركيزة الأساسية لتحقيق الاستدامة.

وقالت إن البرامج الموجهة للأيتام والأسر المستفيدة شملت برامج تعليمية وثقافية وترفيهية، هدفت إلى بناء شخصية متوازنة لدى الأطفال، وتعزيز القيم الأخلاقية والدينية، إلى جانب توسيع مداركهم من خلال تجارب ميدانية وزيارات تعليمية نوعية، تركت أثرا إيجابيا في سلوكهم وتطلعاتهم.

وأضافت أن الجمعية حرصت على تنفيذ برامج نوعية تستهدف تنمية المهارات لدى الشباب، وتمكينهم من دخول سوق العمل، بما يسهم في تحويلهم من فئة مستفيدة إلى فئة منتجة، مؤكدة أن العديد من الأسر تمكنت بالفعل من تحسين أوضاعها المعيشية بفضل هذه البرامج، وانتقلت من الاعتماد إلى الاستقلال.

وأشارت إلى أن الجمعية عملت على تعزيز الاستدامة المالية من خلال تنويع مصادر الدخل، وعدم الاعتماد الكلي على التبرعات، حيث نفذت مشاريع استثمارية، من أبرزها إنشاء مقر متكامل صُمم ليكون مصدر دخل مستدام، إلى جانب دوره كمركز للعمل المجتمعي والتدريب.

وقالت إن مشروع المقر الجديد شكّل نقلة نوعية في مسيرة الجمعية، حيث تم تنفيذه بدعم مجتمعي واسع من خلال مبادرة "ريالكم مليون"، التي جسدت قوة التكاتف المجتمعي، وأسهمت في تحقيق المشروع خلال فترة زمنية قياسية، مؤكدة أن هذا النموذج يعكس وعي المجتمع بأهمية الاستثمار في العمل الخيري المستدام.

وبيّنت أن المقر الجديد هو منصة متكاملة تضم مرافق متعددة، من بينها قاعات تدريبية تستضيف البرامج والورش، إلى جانب مرافق استثمارية تسهم في دعم برامج الجمعية، مشيرة إلى أن العوائد المالية من هذه المرافق يتم توجيهها مباشرة إلى تمويل المبادرات المجتمعية.

وأكدت أن الجمعية أطلقت كذلك مشروع المخزن اللوجستي، الذي يمثل أحد المشاريع الاستراتيجية في إدارة التبرعات العينية، حيث يعمل على استقبال وفرز وإعادة توزيع التبرعات، إضافة إلى إعادة تدوير المواد القابلة لذلك، بما يسهم في تحقيق كفاءة أعلى في استخدام الموارد، وتعزيز مفهوم الاستدامة.

وأوضحت أن هذا المشروع أسهم في تنظيم عملية التبرع العيني، وتحقيق الاستفادة القصوى منه، من خلال توجيهه إلى الفئات المستحقة وفق آليات مدروسة، مشيرة إلى أن المخزن يمثل نقلة نوعية في العمل الخيري اللوجستي في سلطنة عُمان.

وقالت إن بناء الثقة مع المجتمع شكّل أحد أهم عوامل نجاح الجمعية، حيث انعكس ذلك في استمرارية دعم المتبرعين، وحرصهم على المساهمة في برامج الجمعية، مؤكدة أن الشفافية في إدارة الموارد، وضمان وصول التبرعات إلى مستحقيها، أسهما في تعزيز هذه الثقة.

وأشارت إلى أن التطور التقني أسهم في تسهيل عملية التبرع، حيث أصبح بإمكان المتبرعين تقديم مساهماتهم بسهولة عبر التطبيقات والمنصات الإلكترونية، وهو ما أدى إلى زيادة حجم المشاركة المجتمعية، وتوسيع قاعدة الداعمين.

وبيّنت أن التكامل بين الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني يمثل ركيزة أساسية في تحقيق التنمية الاجتماعية، مشيرة إلى أن البرامج التي ينفذها صندوق الحماية الاجتماعية أسهمت في تخفيف الأعباء عن العديد من الأسر، وتقليل عدد الحالات المحتاجة للدعم المباشر.

وأكدت في الوقت ذاته أن بعض التحديات لا تزال قائمة، خاصة في ما يتعلق بالحالات المرتبطة بالتعثر المالي للمشروعات الصغيرة، التي تأثرت بتداعيات جائحة كورونا، مشيرة إلى أن الجمعية تعمل على التعامل مع هذه الحالات من خلال برامج دعم موجهة تسهم في استقرار الأسر.

وقالت إن المرحلة القادمة تتطلب تطوير نماذج العمل الخيري، والانتقال من الدعم المؤقت إلى التمكين طويل المدى، من خلال الاستثمار في التعليم والتدريب وخلق الفرص الاقتصادية، مؤكدة أن هذا التوجه يمثل الضمان الحقيقي لاستدامة الأثر.

وفي جانب شخصي، بيّنت أن تجربتها في العمل الإعلامي أسهمت في تشكيل رؤيتها القيادية، حيث اكتسبت مهارات التواصل وإدارة الرسائل، وهو ما انعكس في قدرتها على قيادة العمل المجتمعي بكفاءة، مؤكدة أن الإعلام والعمل التطوعي يشتركان في هدف واحد، يتمثل في خدمة المجتمع.

وأضافت أن البيئة الأسرية التي نشأت فيها لعبت دورا مهما في تكوين شخصيتها، حيث غُرست فيها قيم الهدوء والانضباط وحب القراءة، مشيرة إلى أن الاطلاع المبكر على الكتب أسهم في توسيع مداركها، وتنمية قدرتها على التحليل واتخاذ القرار.

وأكدت أن العمل التطوعي في سلطنة عُمان يستند إلى ثقافة مجتمعية أصيلة قائمة على التكافل والتراحم، وهو ما يشكل قاعدة قوية لتطوير هذا القطاع، مشيرة إلى أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز هذا الإرث من خلال العمل المؤسسي والابتكار في تقديم الحلول.

لمتابعة الحلقة عبر الرابط التالي:

--:--
--:--
استمع للراديو