الوصال ــ تناولت الباحثة والأخصائية الاجتماعية أزهار العبري، خلال حديثها في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، قضية تأخر سن الزواج في المجتمع العُماني، في ضوء بحث أجرته عام 2022 ضمن دراستها للماجستير، موضحة أن الدراسة تناولت الظاهرة من حيث الأسباب والتحديات والحلول، في وقت بدأت فيه هذه القضية تلامس المجتمعات العربية بصورة أوسع، وتمس البنية الاجتماعية بشكل مباشر، مع تزايد نسب تأخر الزواج بين الشباب والفتيات. وأشارت إلى أن أهمية الدراسة جاءت من كونها تسلط الضوء على واحدة من القضايا الاجتماعية التي تستدعي التنبيه المجتمعي والحكومي، والبحث عن حلول عملية للحد من تفاقمها.

الأسباب الاقتصادية والاجتماعية

وأوضحت أزهار العبري أن نتائج الدراسة كشفت عن جملة من الأسباب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، غير أن الجانب الاقتصادي كان من أبرز العوامل المؤثرة، وعلى رأسه ارتفاع تكاليف الزواج وازدياد الأعباء المادية، إلى جانب ارتفاع أعداد الباحثين عن عمل. وأضافت أن الجانب الاجتماعي كان حاضرًا كذلك، إذ إن كثيرًا من الشباب والفتيات باتوا يؤخرون الزواج إلى ما بعد إكمال الدراسة الجامعية أو الدراسات العليا، أو بعد الحصول على وظيفة، كما أن بعض الفتيات أصبحن يفضلن العمل أولًا قبل التفكير في تكوين الأسرة. ولفتت إلى أن هذه التحولات لا تخص سلطنة عُمان وحدها، لكنها تندرج ضمن ظاهرة أوسع تشهدها مجتمعات عربية وعالمية متعددة.

لفت الانتباه إلى الظاهرة

وبيّنت أن من أبرز أهداف الدراسة تنبيه المجتمع إلى خطورة هذه الظاهرة وضرورة وضع حلول مناسبة لها، إلى جانب لفت نظر الحكومة والمجتمع إلى الزيادة المطردة في معدلات تأخر سن الزواج، والتعريف بالأسباب الاجتماعية والاقتصادية والآثار التي تخلفها هذه الظاهرة. كما أشارت إلى أن الدراسة سعت أيضًا إلى تنبيه الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني إلى أهمية الاضطلاع بدور أكبر في التعامل مع هذه القضية. وأضافت أن من بين المقترحات التي خرجت بها الدراسة فكرة «صندوق دعم الزواج»، إلى جانب الحد من غلاء المهور وتقليل التكاليف المرافقة للزواج.

صناديق دعم الزواج

وأكدت الباحثة أزهار أن صناديق دعم الزواج لا تمثل مبادرة مادية فحسب، لكنها تحمل بعدًا اجتماعيًّا وتنمويًّا أوسع، لأنها تساعد الشباب على بدء حياتهم الأسرية دون أعباء مالية تثقل كاهلهم منذ البداية. وأشارت إلى أن هذه الصناديق تسهم في دعم الاستقرار الأسري، وهذا الاستقرار ينعكس بدوره على بناء مجتمع متماسك وآمن يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040. وأضافت أن هذه الصناديق جاءت لتخدم فئة الدخل المحدود على نحو خاص، وهي الفئة التي قد يشكل ضعف الدخل أحد أبرز العوائق أمام إقدامها على الزواج.

الشروط والفئة المستهدفة

وفي ما يتعلق بالشروط المرتبطة بالحصول على هذا الدعم، رأت أزهار العبري أن شرط الدخل الذي يجعل الاستحقاق محصورًا فيمن لا يتجاوز دخلهم 600 ريال عُماني يعد مناسبًا إلى حد كبير، لأنه يوجه الدعم إلى الفئة التي تحتاجه بالفعل. وأضافت أن هذا النوع من الدعم يسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية ويعزز التكافل بين أفراد المجتمع، لأنه يستهدف من تعيقهم الظروف الاقتصادية عن الإقدام على الزواج.

المظاهر وكلفة الأعراس

وتطرقت الباحثة والأخصائية الاجتماعية أزهار العبري ضمن حديثها في برنامج «منتدى الوصال»،  إلى أحد الجوانب التي تزيد من تعقيد مسألة الزواج، وهو المبالغة في تكاليف الأعراس والمظاهر المصاحبة لها، موضحة أن كثيرًا من الأزواج يبدأون حياتهم الأسرية وهم مثقلون بالديون نتيجة التكاليف المرتفعة للمراسم والذهب والعزائم والتفاصيل المصاحبة للاحتفال. وأضافت أن بعض الفتيات على وجه الخصوص يقعن تحت ضغط المقارنة، حين ترى الواحدة منهن ما فعلته زميلتها أو قريبتها في زفافها، فترغب في أن يكون زفافها أكثر تميزًا، من غير التفات كافٍ إلى أثر ذلك على الوضع المالي للزوج والأسرة الجديدة. وأكدت أن هذه المسألة تحتاج إلى مزيد من التوعية، حتى لا يتحول الزواج من بداية استقرار إلى عبء مالي طويل.

قرار المبالغة

ورأت أن المبالغة في مظاهر الزواج تأتي في الغالب من جهة المرأة أكثر من الرجل، موضحة أن الرجل لا يكون بالضرورة متمسكًا بكل التفاصيل التي تثقل كاهله ماديًّا، لكنه يجد نفسه أحيانًا أمام رغبة في أن يظهر العرس بصورة مميزة من حيث القاعة أو التصوير أو الزينة أو غيرها من التفاصيل. وأضافت أن هذا لا يلغي وجود وعي لدى بعض الفتيات والشباب، لكنه لا يزال دون المستوى المطلوب، في ظل استمرار نزعة التفاخر وحب الظهور، خاصة مع التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي.

الهوية والعادات

وأشارت أزهار العبري إلى أن جانبًا آخر من التحدي يتعلق بتراجع حضور بعض الملامح التقليدية المرتبطة بالهوية العُمانية في الأعراس، مقابل ظهور مظاهر جديدة دخيلة أو مبالغ فيها. وأكدت أن من المهم أن تبقى الهوية العُمانية حاضرة في مراسم الزواج، وألا تطغى العولمة والتحولات الحديثة إلى درجة تغييب السمات المحلية التي كانت تمنح هذه المناسبة معناها الاجتماعي والثقافي. وأضافت أن بعض المجتمعات لا تزال تحافظ على هذه الملامح، وهو ما يعكس أهمية التوازن بين التطور والحفاظ على الخصوصية الثقافية.

التوعية قبل الزواج

ورأت أن إقامة حلقات أو جلسات تثقيفية للمقبلين على الزواج تعد خطوة إيجابية، لأن الزواج لا يرتبط بالجانب المادي وحده، وإنما يقوم كذلك على فهم الحياة الأسرية، وحسن إدارة الميزانية، والتواصل بين الزوجين، والتعامل مع المشكلات اليومية. وأضافت أن الاستفادة من نصائح الكبار في السن وأصحاب الخبرة تظل مهمة، لكن الأجيال تختلف من مرحلة إلى أخرى، وبعض القضايا التي تواجه الشباب اليوم لم تكن موجودة لدى الأجيال السابقة، وهو ما يجعل الورش الحديثة وسيلة مهمة لمناقشة موضوعات تمس الواقع الذي يعيشه الجيل الحالي.

جيل جديد ونظرة مختلفة

وفي حديثها عن التحولات الجيلية، أوضحت أزهار العبري أن الجيل الحالي يختلف عن الأجيال السابقة في نظرته إلى الزواج، فبينما كان الزواج لدى الأجيال الماضية يعد خطوة طبيعية تلي الدراسة والعمل، أصبح كثير من الشباب اليوم يفضلون تأجيله من أجل الاستمتاع بالحياة أو السفر أو تفادي ما يرونه مسؤوليات والتزامات مبكرة. وأضافت أن بعضهم ينظر إلى الزواج بوصفه قيدًا على الحرية الشخصية أو عائقًا أمام الاستمتاع بالحياة، وهو ما يجعل الإقدام عليه أقل حضورًا في سن مبكرة مقارنة بما كان عليه الحال سابقًا.

أثر الصناديق على المجتمع

وأكدت الباحثة أن وجود مؤسسات وصناديق تشجع الزواج وتدعمه سيكون له أثر إيجابي في الحد من ظاهرة تأخر سن الزواج، وربما كذلك في التخفيف من مشكلة العنوسة إذا استثمرت هذه الصناديق بطريقة صحيحة وبالشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية. وأضافت أن من المهم نشر ثقافة المساهمة المجتمعية في دعم هذه الصناديق، سواء عبر التبرع المباشر أو عبر استثمارها بطريقة تحقق الاستدامة المالية لها، إلى جانب تشجيع الأعراس الجماعية التي تسهم في تخفيف الأعباء المادية على الشباب. وأشادت في هذا السياق بمبادرات مثل جمعية تيسير الزواج، وبالجهود المجتمعية التي تدعم هذا المسار.

رؤية 2040

وفي ختام حديثها، شددت الباحثة والأخصائية الاجتماعية أزهار العبري على أن صناديق دعم الزواج ليست مجرد مبالغ تقدم للمقبلين على الزواج، لكنها رسالة وطنية تؤكد أن الدولة والمجتمع يضعان استقرار الأسرة في قلب التنمية. وأوضحت أن هذه الصناديق، حين تساعد الشباب على تأسيس أسر مستقرة دون ديون وأعباء مادية مرهقة، فإنها تسهم بصورة مباشرة في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040 عبر بناء مجتمع متماسك وقادر على تنشئة أجيال تشارك في التنمية وخدمة المجتمع.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو