الوصال ـ دعا سعادة الدكتور علي بن سليمان الحراصي، رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي والابتكار بمجلس الشورى، وزارة التعليم إلى استثناء الطلبة الملتحقين حاليًا بتخصصات الآداب والعلوم من الشروط الجديدة للالتحاق ببرنامج التأهيل التربوي، وإتاحة المجال أمامهم لاستكمال المسار الذي خططوا له عند دخولهم التعليم الجامعي. وأوضح خلال استضافته في برنامج «منتدى الوصال» عبر إذاعة الوصال أن القرار الوزاري رقم 155 لسنة 2026 اشترط حصول الراغب في الالتحاق بالتأهيل التربوي على نسبة لا تقل عن 80 بالمائة في دبلوم التعليم العام، ومعدل تراكمي لا يقل عن 2.7 في الدراسة الجامعية.

وأشار إلى أن هذه الشروط كانت مطبقة سابقًا على الراغبين في الالتحاق المباشر بكليات التربية، إلا أنها عُممت بموجب القرار الجديد على خريجي تخصصات الآداب والعلوم الراغبين في دراسة التأهيل التربوي بعد حصولهم على درجة البكالوريوس.

طموحات سابقة

وبيّن الحراصي أن عددًا من الطلبة التحقوا بكليات الآداب والعلوم بعدما لم يحصلوا على مقاعد في كليات التربية، مع احتفاظهم بطموح الالتحاق بسلك التدريس بعد التخرج والحصول على التأهيل التربوي.

وذكر أن المنافسة على مقاعد كليات التربية مرتفعة، وقد لا يتمكن طلبة حاصلون على نسب تصل إلى 95 أو 96 بالمائة من الحصول على مقعد، ما يدفعهم إلى دراسة تخصصات كاللغة العربية واللغة الإنجليزية والرياضيات والفيزياء والكيمياء، ثم التوجه لاحقًا إلى التأهيل التربوي. وأضاف أن تطبيق الشروط الجديدة على الطلبة الذين بنوا اختياراتهم الدراسية وفق النظام السابق قد يغير مساراتهم بصورة مفاجئة، ويحرم بعضهم من تحقيق هدف مهني وضعوه منذ دخولهم الجامعة.

استقطاب الكفاءات

ولفت الحراصي إلى أن وزارة التعليم ترى أن القرار يستهدف تجويد مهنة التدريس واستقطاب الكفاءات المؤهلة علميًا وتربويًا، مؤكدًا أهمية أن يتمتع المعلم بالكفاءة والتمكن؛ لما يؤديه من دور محوري في بناء الأجيال وإعداد الكوادر لمختلف التخصصات. إلا أنه رأى أن الشروط بصيغتها الحالية قد تستبعد كفاءات تمتلك قدرات علمية مناسبة للعمل في التعليم، بسبب نتائج سابقة في دبلوم التعليم العام أو اختلاف أنظمة التقويم بين مؤسسات التعليم العالي.

وساق مثالًا بطالبة حصلت على 99 درجة في مادة اللغة الإنجليزية ونسبة عامة بلغت 96 بالمائة في دبلوم التعليم العام، إلا أن معدلها الجامعي لم يصل إلى 2.7، ما يحرمها من دخول التأهيل التربوي رغم تميزها في مادة التخصص.

اختلاف المعايير

وأوضح سعادته خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن بعض مؤسسات التعليم العالي، ومنها جامعة السلطان قابوس، تطبق أنظمة ومعايير تقييم تختلف عن مؤسسات أخرى، من بينها نظام المنحنى في توزيع الدرجات. وأشار إلى أن هذا الاختلاف قد يجعل الحصول على معدل معين أكثر صعوبة في جامعة مقارنة بأخرى، رغم تقارب مستويات الطلبة وكفاءاتهم العلمية. وأكد أن تطبيق شرط موحد على طلبة درسوا وفق أنظمة أكاديمية متفاوتة يتطلب مراعاة هذه الفروق، حتى لا تتحول آلية التقويم الجامعي إلى سبب يحرم الطالب من مواصلة مساره المهني.

وأضاف أن تجويد مهنة التعليم لا ينبغي أن يعتمد على نسبة الدبلوم والمعدل الجامعي وحدهما، وإنما يمكن أن يتحقق من خلال اختبارات تخصصية ومهنية تقيس قدرة المتقدم الفعلية على التدريس.

نطاق الاستثناء

وتناول سعادة الدكتور علي الحراصي البيان التوضيحي الصادر عن وزارة التعليم، مبينًا أن الاستثناء المعلن يشمل الدارسين حاليًا في كليات التربية وبرامج التأهيل التربوي، ولا يمتد إلى طلبة الآداب والعلوم الراغبين في دخول التأهيل بعد تخرجهم.

وأوضح أن طالب السنة الرابعة في كلية الآداب أو العلوم، على سبيل المثال، سيخضع للشروط الجديدة رغم اقترابه من التخرج، ولن يتمكن من دخول البرنامج إذا لم يحقق نسبة 80 بالمائة في الدبلوم والمعدل الجامعي المحدد. ورأى أن هذه الفئة هي الأكثر تأثرًا بالقرار، لأنها بدأت دراستها في ظل اشتراطات مختلفة، وأن تغيير المسار في مرحلة متقدمة يضعها أمام خيارات محدودة.

التعليم للمعرفة

وأكد الحراصي أهمية الفصل بين الحق في التعليم وضمان الحصول على وظيفة، موضحًا أن إتاحة دراسة التخصص لا تعني التزام الوزارة بتعيين جميع الخريجين. وقال: إن من حق المؤسسات الحكومية أن تضع معايير وشروطًا لشغل الوظائف التي تعلن عنها، وأن تخضع المتقدمين للاختبارات والمقابلات اللازمة، إلا أن ذلك لا يستدعي إغلاق مسار الدراسة أمام الراغبين فيه.

وأضاف أن مبدأ «التعليم من أجل التعليم» يعني إتاحة الفرصة للفرد لدراسة المجال الذي يرغب فيه، سواء أراد العمل به أو الاستفادة منه معرفيًا وشخصيًا. وحذر من أن ربط فتح التخصصات بحجم الوظائف المتاحة قد يقود مستقبلًا إلى إغلاق برامج جامعية متعددة نتيجة التشبع الوظيفي، رغم أهميتها العلمية والمجتمعية.

عجز وفائض

وأشار الحراصي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال»  إلى وجود قوائم انتظار في بعض التخصصات التربوية، ولا سيما لدى الخريجات، مقابل استمرار العجز في تخصصات أخرى، خصوصًا بين المعلمين الذكور في اللغة الإنجليزية والرياضيات وبعض المواد العلمية. وذكر أن قطاع التعليم ما زال يستعين بمعلمين من خارج سلطنة عُمان بعد مرور عقود على انطلاق النهضة التعليمية، ما يستدعي مراجعة التخطيط للاحتياجات الفعلية من الكوادر الوطنية.

وأوضح أن القضية لا تتمثل في وجود فائض عام من المعلمين، وإنما في تفاوت الاحتياجات وفق الجنس والتخصص والمحافظة والمرحلة الدراسية. ودعا إلى بناء قاعدة بيانات دقيقة تحدد التخصصات التي تعاني من الفائض والمجالات التي تشهد عجزًا، وربط القبول والتأهيل والتوظيف بهذه المؤشرات.

المدارس الخاصة

ولفت الحراصي إلى أن المدارس الخاصة تمثل مجالًا مهمًا لاستيعاب الخريجين العُمانيين، في ظل اعتماد عدد كبير منها على المعلمين الوافدين. وأشار إلى أن بعض الدول التي تستقدم منها الكوادر التدريسية لا تفرض على خريجيها الشروط نفسها المطبقة حاليًا على الراغبين في دخول التأهيل التربوي في سلطنة عُمان.

وطالب بتمكين المدارس الخاصة وتقديم تسهيلات أكبر لها، بما يساعدها على توسيع أنشطتها وزيادة قدرتها على توظيف المعلمين العُمانيين. وبيّن أن هذه المدارس تتحمل جزءًا كبيرًا من العبء التعليمي، إذ تستوعب أكثر من 100 ألف طالب، في حين يبلغ متوسط تكلفة الطالب في التعليم الحكومي نحو ألفي ريال عُماني سنويًا. ورأى أن تخفيف الضرائب والرسوم وتقديم الحوافز للمدارس الخاصة يمكن أن يقترن بوضع خطط لرفع نسب التعمين، وتحسين الرواتب، وتوفير فرص مهنية مستقرة للخريجين.

كلفة مرتفعة

وتطرق سعادته إلى الأعباء المالية التي تحملتها الأسر لتعليم أبنائها، مشيرًا إلى أن تكلفة دراسة البكالوريوس في بعض المؤسسات قد تصل إلى 14 ألف ريال عُماني، فيما تتراوح تكلفة التأهيل التربوي بين ألفين وثلاثة آلاف ريال. وأضاف أن بعض أولياء الأمور اضطروا إلى الاقتراض أو بيع ممتلكات لتغطية تكاليف الدراسة، على أمل أن يتمكن أبناؤهم بعد التخرج من دخول سوق العمل والمساهمة في سداد الالتزامات المالية.

وأوضح أن صدور القرار بعد قطع الطلبة شوطًا كبيرًا في دراستهم ضاعف مخاوف الأسر، وجعلها تشعر بأن المسار الذي استثمرت فيه قد أغلق قبل اكتماله. وناشد وزارة التعليم إيجاد معالجة تراعي أوضاع الطلبة الحاليين، مع تطبيق الاشتراطات الجديدة على الدفعات التي ستلتحق مستقبلًا بتخصصات الآداب والعلوم بعد معرفتها المسبقة بالمسار وشروطه.

تحرك اللجنة

وكشف الحراصي أن لجنة التعليم والبحث العلمي والابتكار بمجلس الشورى تدارست القرار، في ظل تلقي أعضائها عشرات الاتصالات من الطلبة وأولياء الأمور وممثلي الولايات. وأوضح أن اللجنة خاطبت وزارة التعليم لطلب اجتماع مع أصحاب السعادة الوكلاء المعنيين بالتعليم والتعليم العالي، بهدف مناقشة القرار وآثاره على الطلبة، إلا أن موعد اللقاء لم يُحدد حتى وقت إجراء الحوار. وأعرب عن أمله في عقد الاجتماع قريبًا، والاستماع إلى مبررات الوزارة ومناقشة البدائل التي تحقق جودة مهنة التدريس من دون الإضرار بالطلبة الذين بدأوا مساراتهم وفق الأنظمة السابقة.

مشاركة مجتمعية

ورأى الحراصي أن القرارات التنظيمية الداخلية لا تُحال إلى مجلس الشورى وفق الإجراءات المعمول بها، إذ يختص المجلس بمناقشة مشروعات القوانين والتشريعات، إلا أنه من الضروري إشراك اللجان المختصة في القرارات ذات الأثر المجتمعي الواسع. وأكد أن دراسة القرارات قبل إصدارها وعرضها على المختصين والفئات المتأثرة بها يتيح الحصول على تغذية راجعة، ويقلل احتمالات رفضها أو ظهور آثار غير محسوبة.

وأشار إلى أن عددًا من الدول يطرح مشروعات القرارات والسياسات للنقاش العام قبل اعتمادها، بما يمنح المواطنين والمختصين فرصة لإبداء الرأي وتقديم المقترحات. وأضاف أن المشاركة المجتمعية لا تنتقص من صلاحيات الجهات الحكومية، وإنما تساعدها على تحسين القرارات وبناء قبول أوسع لها.

قوائم الانتظار

وذكر الحراصي أن عدد الخريجات الموجودات في قوائم انتظار التوظيف التربوي يبلغ، بحسب المعلومات المتاحة لديه، نحو سبعة آلاف خريجة. وأوضح أن عدم قدرة الوزارة على استيعاب جميع المنتظرين في وقت واحد لا يعني منع الراغبين من مواصلة التعليم، إذ يمكن للخريجين الالتحاق بالمدارس الخاصة أو العمل في مجالات أخرى مرتبطة بتخصصاتهم.

وأضاف أن الطالب الذي يدخل التخصص التربوي ينبغي ألا يربط قراره بضمان الوظيفة الحكومية، وأن يكون على دراية بمؤشرات العرض والطلب قبل اختيار المسار.

تطور التعليم

وأكد الحراصي أن قطاع التعليم في سلطنة عُمان شهد تطورًا متواصلًا منذ سبعينيات القرن الماضي، سواء في المباني المدرسية أو التجهيزات أو التقنيات أو أساليب وطرائق التدريس. وأشار إلى أن المدارس أصبحت تضم سبورات تفاعلية وأدوات بحث وتقنيات تعليمية حديثة، وأن الوزارة تتابع المستجدات وتسعى إلى إدخالها في العملية التعليمية.

وأوضح أن تطوير التعليم عملية مستمرة لا تتوقف، وتتطلب مراجعة المناهج والوسائل وأساليب التقويم وتأهيل الكوادر بما يتناسب مع التحولات العلمية والتقنية.

أعباء المعلمين

وتحدث الحراصي عن مطالب المعلمين بتخفيض أنصبتهم من الحصص، موضحًا أن اللجنة تنقل هذه المطالب في لقاءاتها مع المختصين بوزارة التعليم. وبيّن أن المعلم لا يقتصر دوره على تقديم الحصص داخل الصف، وإنما يمتد إلى التحضير والتصحيح وإعداد الاختبارات والوسائل التعليمية، إضافة إلى الإشراف والمناوبة والمهام الإدارية والمجتمعية.

وأشار إلى أن كثيرًا من هذه الأعمال ينتقل مع المعلم إلى المنزل، ويؤثر في وقته والتزاماته الأسرية والاجتماعية. ورأى أن النصاب المناسب ينبغي أن يكون في حدود 20 حصة أسبوعيًا، مع مراعاة حجم المهام الأخرى المسندة إلى المعلم، بما يساعده على أداء رسالته بجودة أكبر.

استثناء الطلبة

واختتم سعادة الدكتور علي الحراصي حديثه في برنامج «منتدى الوصال»  بتوجيه الشكر إلى العاملين في الحقل التعليمي، وفي مقدمتهم المعلمون والمعلمات الذين وصفهم بـ«فرسان الميدان»، لما يبذلونه من جهود في تعليم الأجيال وتربيتها.

وجدد مطالبته باستثناء طلبة الآداب والعلوم الموجودين حاليًا على مقاعد الدراسة من القرار، والسماح لهم بالتقدم إلى التأهيل التربوي بعد التخرج وفق المسار الذي كان متاحًا عند التحاقهم بالجامعة. وأوضح أن بإمكان وزارة التعليم تطبيق الشروط الجديدة على الطلبة الذين سيلتحقون بهذه التخصصات ابتداءً من العام الأكاديمي المقبل، باعتبار أنهم سيكونون على علم مسبق بها.

وأكد أن الوزارة تستطيع وضع شروط واختبارات لشغل وظيفة المعلم وفق احتياجاتها ومعاييرها، مع ترك المجال أمام الطلبة لمواصلة تعليمهم وتحقيق تطلعاتهم العلمية.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو