الوصال ــ تحدّث بدر الربيعي، رائد الأعمال وصاحب أحد مكاتب سند، خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، حول مكاتب سند التي ما تزال تقدم طيفًا واسعًا من الخدمات التي يحتاجها المواطنون وأصحاب الأعمال، رغم التحول الكبير الذي شهدته الخدمات الحكومية نحو القنوات الإلكترونية. وأوضح أن النسبة الأكبر من المعاملات اليومية التي تنجزها هذه المكاتب تتركز في خدمات وزارة العمل، مثل استقدام الأيدي العاملة وتجديد العمال وإجراءات التأشيرات، إلى جانب خدمات وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، وفي مقدمتها السجلات التجارية وما يرتبط بها من معاملات. وأضاف أن هذه الخدمات تمثل نحو 70 بالمائة من حجم العمل اليومي في كثير من مكاتب سند، بينما تتوزع بقية المعاملات على جهات وخدمات متعددة تمتد من الضرائب والإسكان والزراعة إلى بنك التنمية وغيرها.

خدمات متشعبة

وأشار الربيعي إلى أن العامل في مكتب سند لم يعد يتعامل مع جهة واحدة أو نوع واحد من المعاملات، وإنما بات مطالبًا بالإلمام بإجراءات جهات حكومية متعددة، حتى أصبح، بحسب وصفه، أشبه بموظف يتقاطع عمله مع معظم الدوائر الحكومية في وقت واحد. ولفت إلى أن هذا التنوع يفرض على أصحاب المكاتب وموظفيها فهمًا واسعًا للأنظمة والخدمات والتحديثات، لأن المراجع قد يأتي بطلب يتعلق بالضرائب أو الزراعة أو بنك التنمية أو الإسكان أو غيرها من الخدمات التي تستوجب معرفة دقيقة بآلياتها وإجراءاتها.

تحدي التحول الرقمي

وأكد بدر الربيعي أن أكبر تحدٍ يواجه مكاتب سند اليوم يتمثل في التوسع الكبير للخدمات الحكومية الإلكترونية، موضحًا أن إتاحة المعاملات مباشرة عبر المواقع والتطبيقات الرسمية جعلت بعض الأفراد والشركات يتجهون إلى إنجاز معاملاتهم بأنفسهم من دون المرور بهذه المكاتب. وأضاف أن هذا التوجه الحكومي مفهوم ومهم في إطار التحول الرقمي، غير أنه أثر بصورة مباشرة على مكاتب سند التي تتحمل في المقابل التزامات تشغيلية ثابتة، تشمل الإيجارات ورواتب الموظفين وفواتير الخدمات، ما جعل استمرارها مرهونًا بقدرتها على إعادة تقديم نفسها بصورة أكثر فاعلية في السوق.

قيمة الوقت والخبرة

وأوضح الربيعي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن بقاء الحاجة إلى مكاتب سند لا يرتبط فقط بعدم معرفة الأفراد بالتعامل مع الأنظمة، وإنما كذلك بقيمة الوقت والخبرة وسرعة الإنجاز. وقال إن كثيرًا من المراجعين قد يعتقدون في البداية أن بإمكانهم إنجاز المعاملة بأنفسهم، لكنهم يعودون بعد وقت قصير لأنهم يكتشفون أن بعض المعاملات تحتاج إلى خبرة في التعامل مع الأنظمة وفهم للإجراءات والمتطلبات. وأضاف أن صاحب المكتب أو الموظف فيه يوفر على المراجع الوقت والجهد والتجربة والخطأ، بل إن بعض المكاتب باتت تنجز المعاملات عبر التواصل الهاتفي أو الإلكتروني من دون حاجة لحضور العميل شخصيًا، مستفيدة من أدوات مثل التصديق الإلكتروني وبرنامج «ثقة» وغيرهما من الوسائل التي خففت من أعباء التنقل ورفعت من مرونة تقديم الخدمة.

الضرائب من أكثر الملفات حضورًا

وأشار الربيعي إلى أن الخدمات الضريبية أصبحت من أبرز الملفات التي يتزايد عليها الطلب، خاصة في ظل التغيرات التي شهدها هذا الجانب خلال السنوات الماضية. وأوضح أن عددًا من أصحاب الأعمال لم يكونوا يدركون في البداية أن عليهم التزامات تتعلق بتقديم الإقرارات السنوية حتى لو لم تكن عليهم ضريبة فعلية، وهو ما جعل بعضهم يتفاجأ لاحقًا بمبالغ ورسوم لم يكن يتوقعها. وأضاف أن مكاتب سند باتت تلعب دورًا توعويًّا مهمًّا في هذا الجانب، من خلال توضيح المتطلبات، وتقدير الوضع الضريبي للمؤسسة، ومساعدة أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة في تقديم الإقرارات واستيفاء الإجراءات الأساسية، بينما تحال الشركات الكبيرة أو الحالات التي تتطلب تدقيقًا أوسع إلى مكاتب تدقيق الحسابات المختصة. كما لفت إلى أن المكاتب تقدم كذلك توجيهًا لأصحاب المشاريع بشأن الإعفاءات والمزايا التي يمكن أن يستفيدوا منها، لا سيما الفئات الصغيرة والريادية.

من الألف إلى الياء

وبيّن الربيعي أن بعض المراجعين يلجؤون إلى مكاتب سند لطلب إنجاز المعاملة من بدايتها إلى نهايتها، بدءًا من استخراج السجل التجاري، مرورًا بتصاريح البلدية وعقود الإيجار ومعاملات وزارة العمل، وصولًا إلى بعض الخدمات المرتبطة بالدعم أو التمويل أو الأنشطة الزراعية والبحرية. وأضاف أن المكتب في هذه الحالة يؤدي دور المنسق والمنفذ، بحيث يكتفي صاحب المشروع أو المراجع بتقديم المعلومات والمستندات الأساسية، فيما يتولى المكتب متابعة الإجراءات المتسلسلة التي قد تستغرق وقتًا وجهدًا إذا أنجزت بصورة فردية. ولفت إلى أن من بين الخدمات التي باتت المكاتب تقدمها أيضًا طلبات دعم الكهرباء والمياه، وبعض المعاملات المرتبطة بالقروض التنموية، وتأمين المركبات، وتذاكر السفر، إلى جانب الخدمات الحكومية الأساسية.

وظائف تحت الضغط

وأكد الربيعي أن المسألة لا تتعلق فقط باستمرار المكاتب كمؤسسات صغيرة، وإنما أيضًا بالوظائف التي توفرها للشباب العُماني. وأوضح أن عدد مكاتب سند في سلطنة عُمان يبلغ نحو 922 مكتبًا، ويعمل في كل مكتب منها عادة ما بين موظفين إلى ثلاثة موظفين، ما يعني أن هذه المكاتب تمثل مصدر دخل وفرص عمل لعدد كبير من الشباب. وأضاف أن التحدي هنا لا يقتصر على المنافسة مع الخدمات الإلكترونية، بل يمتد أيضًا إلى دخول بعض الأفراد في تقديم خدمات مشابهة من خارج الإطار التنظيمي المعتاد، مستفيدين من كون بعض الأنظمة أصبحت متاحة للجميع، من دون أن يتحملوا التكاليف التشغيلية التي تتحملها المكاتب القائمة. وأشار إلى أن هذا الواقع يضغط على أصحاب المكاتب ويجعل الحاجة إلى حلول سريعة أكثر إلحاحًا.

تحدي الاستقرار الوظيفي

ولفت الربيعي إلى أن أحد التحديات الأخرى يتمثل في صعوبة استقرار الكوادر الشابة العاملة في هذه المكاتب، موضحًا أن كثيرًا من الشباب يقبلون على الوظيفة في البداية بحماس، لكنهم يتعاملون معها في أحيان كثيرة بوصفها محطة مؤقتة لاكتساب الخبرة إلى حين الحصول على وظيفة أخرى. وأضاف أن هذا الأمر يخلق عبئًا إضافيًّا على أصحاب المكاتب، لأن العمل يتطلب موظفًا ملمًّا بإجراءات العديد من الجهات الحكومية، وقادرًا على التواصل مع المراجعين وتحمل المسؤولية ومتابعة التحديثات المستمرة في الأنظمة والخدمات.

مقترحات للحل

ورأى الربيعي أن من بين الحلول التي يمكن أن تسهم في معالجة التحديات الحالية إنشاء منصة أو آلية إلكترونية تتيح لأصحاب الأعمال والمكاتب إبداء آرائهم بصورة منظمة في ما يتعلق بالتغييرات أو الخدمات أو القرارات التي تمسهم، بحيث يمكن قياس مدى تقبل السوق لها وأثرها المحتمل قبل تنفيذها. كما طرح فكرة تقليل المركزية في بعض الخدمات التي لا تزال تستوجب مراجعة مسقط، معتبرًا أن نقل مزيد من الصلاحيات إلى المحافظات أو تمكين الجهات المحلية من إنجاز بعض المعاملات سيسهم في تخفيف العبء على أصحاب المكاتب والمراجعين على حد سواء. وأضاف أن هناك حاجة كذلك إلى توسيع حزمة الخدمات التي يمكن لمكاتب سند تقديمها، على نحو مدروس، بما يمنحها فرصة أفضل للاستمرار والتكيف مع التحول الرقمي بدل أن تكون أول المتضررين منه.

من التجربة الورقية إلى الرقمية

واستعاد الربيعي جانبًا من تجربة العمل في مكاتب سند خلال السنوات الماضية، موضحًا أن المعاملات في السابق كانت تتطلب جهدا ميدانيًّا أكبر بكثير، بدءًا من الذهاب المبكر إلى الدوائر الحكومية، وانتظار الأدوار، وحمل المعاملات الورقية من جهة إلى أخرى، ومواجهة احتمالات التأخير أو فقدان بعض الأوراق أو الحاجة إلى مراجعات متكررة. وأضاف أن التحول إلى الأنظمة الإلكترونية خفف من كثير من هذه الأعباء، وحقق تطورًا واضحًا في سرعة الإنجاز وتقليل الاعتماد على الورق، مشيرًا إلى أن الجهات التي يلمس فيها هذا التطور بصورة أوضح هي وزارة التجارة، تليها شرطة عُمان السلطانية ووزارة العمل، نظرًا لما شهدته أنظمتها من تحديثات وسرعة أكبر في إنجاز المعاملات.

نظرة إلى الأمام

وختم الربيعي حديثه بالتأكيد على أن مكاتب سند ما تزال قادرة على تقديم قيمة حقيقية إذا ما أعيد النظر في دورها بصورة أكثر مرونة، وربطت بحلول أسرع وأكثر استجابة للتحولات الرقمية. وأضاف أن الوقت، برأيه، لا يسمح بالتأجيل الطويل، لأن استمرار التحديات من دون حلول جذرية وسريعة قد يجعل الوضع أكثر صعوبة خلال السنوات القادمة، داعيًا الجهات المعنية إلى الإسراع في دراسة البدائل والمقترحات التي تحافظ على استمرارية هذه المكاتب وما تمثله من فرص عمل وخدمة مجتمعية متصلة بالمواطنين وأصحاب الأعمال.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو