د. عبد المنعم الحسني في «فوانيس الوصال»: السيد فهد بن محمود قدّم نموذجًا استثنائيًّا في التأسيس الإعلامي وفن الحوار وقيادة المسؤولية بهدوء وحكمة
فوانيس الوصال
الوصال ــ استعاد الدكتور عبد المنعم الحسني وزير الإعلام السابق، في حديثه خلال برنامج «فوانيس الوصال» مع سالم العمري الذي خُصص لاستذكار الراحل الكبير صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد، جانبًا واسعًا من ملامح هذه الشخصية، متوقفًا عند البدايات الأولى، ثم عند حضورها في الإعلام والعمل الحكومي، وعند أسلوبها في الحوار والتوجيه والتعامل مع الآخرين، بوصفها تجربة وصفها بأنها مدرسة وطنية وإنسانية ومهنية متكاملة.
بدايات شغوفة بالعلم
واستهل الدكتور عبد المنعم الحسني حديثه بالإشارة إلى أن الكثير من تفاصيل مرحلة ما قبل السبعين قد لا تكون موثقة بما يكفي، غير أن ما يمكن تأكيده هو أن صاحب السمو السيد فهد بن محمود رحمة الله عليه كان شخصية محبة للعلم والثقافة، شغوفة بالدراسة، ومخلصة لهذا المسار منذ وقت مبكر. وأوضح أن دراسته في القاهرة، ثم استكمال مسيرته التعليمية في الجمهورية الفرنسية، تكشف عن تجربة مبكرة لافتة، لا سيما إذا ما قورنت بظروف تلك المرحلة من عمر عُمان قبل النهضة الحديثة.
وبيّن أن الجمع بين الثقافة العربية والثقافة الغربية، والتكوين في المجال الاقتصادي والسياسي لاحقًا، يعكس ملامح شخصية كانت ترى في المعرفة أساسًا للتشكل، وأن هذه المرحلة الأولى من حياته تستحق مزيدًا من البحث والاقتراب، لأنها تكشف جانبًا تأسيسيًّا مهمًّا في بناء هذه الشخصية التي ظهرت لاحقًا بثقلها الكبير في المشهدين السياسي والإداري.
التأسيس المهني للإعلام
وعند انتقاله إلى الحديث عن وزارة الإعلام، أوضح الحسني خلال حديثه برنامج «فوانيس الوصال» مع سالم العمري، الذي يأتيك ممن بيت «الجريزة» التاريخي في أن حضور الراحل في هذه الوزارة، بعد تجربته في وزارة الخارجية، يمكن النظر إليه بوصفه مرحلة التأسيس المهني الحقيقي للإعلام العُماني. وقال إن تلك الفترة شهدت حضور عدد من الخبرات العربية والعالمية على المستويات الفنية والتنظيمية والتقنية، وكان للراحل دور كبير في هذا المسار، بما أسهم في بناء مؤسسة إعلامية تعنى بالإعلام والثقافة في آن واحد.
وأشار إلى أن المشهد الإعلامي في تلك المرحلة لم يكن مجرد إدارة إذاعة أو تلفزيون أو صحف، بل كان جزءًا من معركة إثبات الحضور العُماني، داخليًّا وخارجيًّا، في زمن كانت فيه البلاد تواجه تحديات الاعتراف بالهوية العُمانية الحديثة. وأضاف أن السلطنة كانت بحاجة إلى أن تنظم حضورها الإعلامي بشكل مهني في وقت لم تكن فيه الظروف سهلة، وأن حضور السيد فهد في تلك الفترة سجّل دورًا مهمًّا في وضع اللبنات الأولى لهذا المسار.
الإعلام في زمن التحديات
وأضاف الحسني أن المرحلة التي تولى فيها الراحل مسؤولية الإعلام جاءت في سياق بالغ الحساسية، إذ كانت السلطنة في بداية عهد النهضة، وتواجه تحديات كبيرة في الداخل والخارج، من بينها ضرورة تثبيت حضورها السياسي، ومواجهة ظروف الحرب في الجنوب، والتعامل مع واقع داخلي يحتاج إلى خطاب يوحد الناس ويعرّفهم بالدولة الجديدة.
وأوضح أن الإعلام في تلك المرحلة لم يكن يعمل في بيئة مريحة أو بإمكانات واسعة كما هو الحال اليوم، بل كان يبنى في ظروف صعبة، سواء على مستوى الأجهزة أو الكوادر أو الانتشار الجغرافي. وأشار إلى أن الإذاعة كانت في بيت الفلج، وأن التلفزيون العُماني كان في بداياته، وأن مسألة الوصول إلى مختلف المحافظات وتقديم صورة عُمان لم تكن مسألة بسيطة، بل كانت تحديًا حقيقيًّا احتاج إلى رؤية واضحة وإخلاص كبير في التنفيذ.
الهوية العُمانية الجامعة
وفي هذا السياق، أشار الحسني إلى أن السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، كان يحمل رسالة تتجاوز المعنى السياسي المباشر، وكان من أبرز عناوينها توحيد عُمان، وهذه الوحدة لم تكن لتترسخ من دون ذراع إعلامية قادرة على تقديم الهوية العُمانية في ملامحها الجامعة، من الملبس إلى اللغة والخطاب إلى صورة الإنسان العُماني في الإعلام.
ولفت إلى أن وزارة الإعلام في تلك المرحلة عملت، بالإمكانات المتاحة، على الانتقال إلى المحافظات، ومواكبة الجولات السامية، ونقل صورة الدولة الجديدة إلى الداخل والخارج. وأكد أن هذه المهمة لم تكن سهلة، سواء بسبب قلة الخبرات العُمانية في المجال الإعلامي آنذاك أو بسبب اتساع المسؤولية الملقاة على المؤسسة الناشئة، لكن وجود توجيه واضح ورؤية متماسكة جعل من هذه التجربة واحدة من أهم محطات التأسيس.
العمل مع شخصية استثنائية
وعندما انتقل الحسني إلى تجربته الشخصية، أوضح أنه كان محظوظًا بالتشرف بالعمل مع صاحب السمو السيد فهد لما يقرب من تسع سنوات، في لقاءات أسبوعية وأحيانًا أكثر من مرة في الأسبوع، وأن هذه التجربة لم تكن مجرد علاقة عمل بين مسؤولين، بل كانت مدرسة حقيقية في التعلم والاقتراب من شخصية ذات عمق وتجربة نادرتين.
وبيّن أنه جاء إلى العمل الحكومي من خلفية أكاديمية، وأن هذا النوع من الانتقال عادة ما يكون مصحوبًا بتصورات وأفكار ورغبة في الإنجاز، لكن وجود شخصية مثل السيد فهد، عاشقة للإعلام وملمة بتفاصيله، سهّل عليه كثيرًا من الأمور، ووفّر له سندًا حقيقيًّا في مرحلة التكيف مع العمل الحكومي المباشر. وقال إن الراحل كان نعم المعلم، ونعم الموجه، ونعم من يقدم النصيحة بلطف وحنكة وحكمة، وأن هذه التجربة أسهمت بصورة كبيرة في صقل شخصيته المهنية.
فن إدارة الحوار
ورأى الحسني أن أكثر ما لفت انتباهه في شخصية الراحل منذ البداية هو فن إدارة الحوار، موضحًا أن السيد فهد كان يتعامل مع مختلف الشخصيات والأطياف والتوجهات بقدر عالٍ من الاتزان، حتى مع من يكونون شديدي التمسك بآرائهم أو حادين في الدفاع عن مواقفهم. واعتبر أن هذه القدرة لم تكن عادية، بل كانت تعبيرًا عن ملكة فطرية وخبرة متراكمة وممارسة طويلة في إدارة النقاشات والملفات.
وأشار إلى أن من أبرز ما ميز هذا الأسلوب هو الإنصات؛ إذ كان الراحل ينصت باهتمام، ويترك للطرف الآخر كامل المساحة ليقول ما يريد، ثم يبدأ بعد ذلك في إدارة الحديث بروية وهدوء، من غير أن يسفه رأيًا، أو يغلق بابًا، أو يفرض موقفه على الفور. وأكد أن هذه الصفة تحديدًا كانت من أهم ما تعلمه منه، لأنها أفادته لاحقًا في كثير من مسؤولياته ومهامه.
الابتسامة التي تمتص التوتر
وأضاف أن أول ما كان يلتقي به المتحاور مع الراحل هو الابتسامة واللطف، وأن هذه البداية وحدها كانت كفيلة بتخفيف التوتر وخلق أرضية إنسانية للحوار. وقال إن هذه الابتسامة لم تكن مجرد سلوك اجتماعي، بل جزء من طريقته في التعامل، لأنها كانت تعطي الطرف الآخر إحساسًا بالتقدير، وتفتح المجال لحوار تلقائي وهادئ، حتى في المسائل التي قد تكون شائكة أو صعبة.
وأوضح أن الراحل لم يكن يقدم النصيحة أو التوجيه على طريقة الإملاء، بل كان يعرض الفكرة ويترك مساحة للاقتناع بها أو إعادة النظر فيها، وهذا أمر نادر، خصوصًا حين يصدر عن شخصية في موقعه، كان بإمكانها أن تختصر الطريق بكلمة حاسمة، لكنها كانت تفضّل دائمًا أن تجعل الحوار جزءًا من الحل، لا مجرد مقدمة لقرار مفروض.
الاحترام قبل القرار
وأكد الحسني أن أحد الجوانب المهمة في شخصية الراحل تمثلت في قدرته على أن يجعل من أمامه يشعر بمكانته واحترامه، مهما كان موقعه أو سنه أو خلفيته. وقال إن هذه الصفة لم تكن مقتصرة على تعامله مع الوزراء أو المسؤولين، بل ظهرت أيضًا في تعامله مع الإعلاميين والصحفيين وغيرهم، حيث كان كل من يجلس معه يشعر أن له قيمة وأن رأيه محل اعتبار.
وأضاف أن هذه الطريقة في التعامل كانت تبني لغة مشتركة، وتجعل النقاشات أكثر عمقًا وفائدة، لأن الطرف الآخر لا يشعر أنه مطالب فقط بالامتثال، بل مدعو إلى الفهم والمشاركة. واعتبر أن هذه الصفة لو امتلكها كل قائد أو مسؤول، لسهّلت كثيرًا من دوائر الحوار داخل المؤسسات وخارجها.
لا يفرض رغم أنه قادر
وفي هذا الإطار، قال الحسني إن الراحل، بحكم منصبه كنائب لرئيس مجلس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء، كان قادرًا على أن يحسم كثيرًا من الأمور بكلمة أو توجيه مباشر، لكنه لم يكن يلجأ إلى ذلك إلا عند الضرورة، وكان يترك غالبًا للمسؤول أو الوزير مساحة للتفكير والتنفيذ، مع تقديم النصيحة والرأي السديد.
وأوضح أن كثيرًا من الوزراء كانوا يأتون إلى المجلس بأفكار ومشروعات وتصورات، وكان من الطبيعي أن يكون لكل منهم رأيه، لكن الراحل كان يتعامل مع هذه الطروحات بعقلية من يوجّه ويقارن ويعيد القراءة، لا بعقلية من يفرض فقط. وأكد أن هذه المساحة التي كان يتركها للآخرين كانت من عناصر الراحة والثقة في العمل معه.
الإعلام حاضر في ذهنه دائمًا
وفي حديثه عن علاقة الراحل بالإعلام بعد انتقاله إلى مواقع أخرى، أوضح الحسني أن عُمان كلها كانت حاضرة في ذهنه، لكن الإعلام ظل قريبًا منه بحكم خبرته السابقة فيه، وبحكم إيمانه بأثره في الداخل والخارج. وقال إن كل ما يتعلق بالسياسة العُمانية الداخلية والخارجية، وبصورة السلطنة، وبما يكتب عنها أو يبث بشأنها، كان محل متابعة دائمة من جانبه.
وأشار إلى أن النقاشات معه لم تكن تنحصر في الاجتماعات الرسمية، بل كانت تمتد إلى لقاءات فردية واتصالات ومتابعات مستمرة، وكان فيها دائمًا دقيقًا في التفاصيل، متابعًا لكل ما يكتب عن عُمان، وكل ما يقدم عنها في الإذاعة أو التلفزيون أو الصحف. وأضاف أن هذه المتابعة كانت تنم عن فهم عميق لطبيعة الإعلام، لا عن مجرد اهتمام شكلي به.
رجل الكلمة الدقيقة
وتوقف الحسني عند مسألة اللغة، مؤكدًا أن من أبرز ما ميز الراحل دقته العالية في صياغة البيانات والرسائل الإعلامية. وقال إن البيانات التي كانت تصدر عنه كانت تأتي بمستوى عالٍ من السلاسة والضبط ودقة المعنى، إلى درجة أنهم لم يكونوا يحتاجون غالبًا إلى تعديل أو إعادة صياغة أو حذف تكرار، كما يحدث في العادة في كثير من المواد الإعلامية.
وأضاف أن الراحل كان يترك لهم مساحة النقاش الإعلامي حول الشكل الأنسب للتقديم، لكنه في الجوهر كان يملك صياغة متماسكة، تمسك بمنتصف المشهد، ولا تميل إلى طرف على حساب آخر، وتحافظ على المعنى المقصود بأعلى درجات الدقة. واعتبر أن هذه المهارة اللغوية تمثل في حد ذاتها مدرسة، لأنها تجمع بين السهولة والعمق والانضباط.
الصورة ليست تفصيلًا
وعن فهم الراحل للصورة الصحفية، أوضح الحسني أنه كان يملك وعيًا عميقًا بأثر الصورة، وبما يجب أن تعكسه عن عُمان والإنسان العُماني. وقال إن الراحل لم يكن ينظر إلى الصورة فقط من زاوية لحظتها أو جمالها التقني، بل من زاوية ما تقوله عن البلد، وما الذي تنقله للعالم عن الحضور العُماني.
وأشار إلى أنه شهد أكثر من موقف كان فيه الراحل يرى أن بعض الصور، وإن كانت جيدة من منظور صحفي أو بصري، قد لا تكون الأنسب للنشر في الصحافة العُمانية، ليس لأنها سيئة، بل لأنها لا تعكس الصورة التي ينبغي أن تقدم بها عُمان. واعتبر أن هذا الفهم لم يكن منفصلًا عن رؤيته الأوسع، التي كانت تدرك أن ما ينشر عن السلطنة لا يبقى داخل حدودها، بل يذهب إلى العالم كله.
قارئ دقيق للصحافة العربية والإنجليزية
وأضاف الحسني أن الراحل لم يكن متابعًا للصحافة العربية فقط، بل كان قارئًا دقيقًا للصحف الناطقة بالإنجليزية أيضًا، بما فيها الصحف العُمانية مثل «عُمان أوبزرفر» و«تايمز أوف عُمان» و«مسقط ديلي». وأكد أن هذه المتابعة لم تكن سطحية، بل كان يوجه من خلالها ملاحظات دقيقة، سواء في ما يُنشر إيجابًا أو في ما يحتاج إلى تصويب أو إعادة نظر.
وبيّن أن هذا الاهتمام بالصحافة الناطقة بالإنجليزية كان نابعًا من فهمه لأهمية الخطاب الإعلامي الذي يخرج من عُمان إلى العالم بلغات متعددة، وأنه كان يرى في هذه المنصات أدوات رئيسية لتقديم السلطنة بصورة دقيقة ومتوازنة.
الفكرة قبل القرار
وفي حديثه عن النقاشات داخل مجلس الوزراء، أكد الحسني أن الراحل لم يكن يسفه أي فكرة أو مقترح، حتى لو خالف رأيه، بل كان يترك للمقترح أن يُناقش، أو يُعاد تقديمه، أو يُحال إلى دراسة أعمق، إذا رأى أن الوقت أو الظروف أو المعطيات تستدعي ذلك. وقال إنه طوال فترة عمله معه لم يشهد مرة واحدة موقفًا جرى فيه إلغاء فكرة لمجرد أنها لا تعجبه، بل كان دائمًا يفضل إعادة التمحيص والبحث عن أرضية مشتركة قبل الوصول إلى القرار.
وأوضح أن هذا الأسلوب في إدارة النقاشات داخل المجلس عزز الممارسة المؤسسية، ورسخ فكرة أن القرار لا يصدر عن المزاج، بل عن الحوار والقراءة والموازنة بين الرؤى والمصالح.
واختتم الحسني هذا الجانب من حديثه بالتأكيد على أن ما يميّز شخصية صاحب السمو السيد فهد بن محمود في هذا المحور هو اجتماع عناصر قلّ أن تجتمع في شخصية واحدة: حب العلم، والتكوين الثقافي المبكر، والقدرة على التأسيس، والوعي العميق بالإعلام، والدقة في الكلمة، والذائقة في الصورة، والحكمة في التوجيه، والرقي في الحوار.
وأكد أن هذه الجوانب لم تكن صفات منفصلة، بل كانت تشكل معًا شخصية متكاملة، أدارت الإعلام بعقل الدولة، وتحاورت مع الآخرين بروح المعلم، وقدمت نموذجًا في القيادة الهادئة التي تُقنع أكثر مما تفرض، وتبني أكثر مما تصادر، وهو ما يجعل الحديث عنها حديثًا عن مدرسة لا عن مسؤول عابر في تاريخ الدولة.
لمتابعة حلقة «فوانيس الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:



