الوصال ــ أكد الدكتور خالد البلوشي، الأكاديمي المختص بقطاعي السياحة والطيران، أن السياحة الصيفية تمثل أحد الروافد الأساسية لاقتصادات الدول، مشيرًا إلى أن هذا الموسم ظل تاريخيًّا مرتبطًا بالإجازات والحركة السياحية على مستوى العالم، سواء في الدول الحارة أو الباردة، لما يحمله من رمزية موسمية ارتبطت بالسفر والبحر والطبيعة المفتوحة والأنشطة المرتبطة بالاستجمام.

وقال إن المؤشرات الحالية، رغم ما شهدته المنطقة من تحديات جيوسياسية وارتفاع في تكاليف النقل الجوي والتأمين والإقامة، ما تزال تشير إلى استمرار النمو السياحي ووجود رغبة مرتفعة في السفر، لافتًا إلى أن قراءة أسعار التذاكر ونسب الإشغال على عدد من الرحلات خلال شهر يونيو تعكس زخمًا واضحًا في الطلب على السفر إلى وجهات متعددة. جاء ذلك خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» عبر إذاعة الوصال.

عُمان ملاذ آمن

وأشار البلوشي إلى أن ما شهدته المنطقة من اضطرابات سياسية وأمنية خلال الفترة الماضية لم يمنع سلطنة عُمان من المحافظة على صورتها كوجهة آمنة ومستقرة، مؤكدًا أن هذا العامل منحها أفضلية واضحة في نظر المسافرين الباحثين عن ممر آمن أو وجهة مستقرة بين الشرق والغرب. وأضاف أن موقع سلطنة عُمان الجغرافي وإطلالتها البحرية وتوازنها السياسي أسهمت جميعها في تعزيز هذا الحضور، وجعلتها في نظر كثير من المسافرين نقطة عبور ووجهة مفضلة في آن واحد، خاصة من قبل السياح القادمين من بعض الدول الأوروبية والآسيوية والأفريقية الذين وجدوا فيها بيئة أكثر طمأنينة خلال تلك المرحلة.

الطيران رافعة للنمو

وأوضح الدكتور خالد البلوشي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال»، أن قطاع الطيران يظل أحد أهم المحركات التي تستند إليها السياحة في أي دولة، لأنه القطاع الذي يضمن سهولة الوصول ويخلق الترابط بين المقاصد والأسواق. وذكر أن شركات الطيران بطبيعتها قطاعات متغيرة تتأثر بالوضع السياسي والاقتصادي ومتطلبات السوق، ولذلك فإن توسعها أو تقليصها للرحلات أو فتحها لمحطات جديدة كلها خطوات مرتبطة بحسابات دقيقة تهدف إلى تحقيق التوازن المالي وتوسيع الحضور في الأسواق. وأضاف أن التوسع بالنسبة لشركات الطيران ليس ترفًا، وإنما ضرورة، لأن انكماش الشبكة الجوية ينعكس سلبًا على نشاط الشركة والمطار والخدمات الأرضية والتموين والأسواق الحرة وغيرها من القطاعات المرتبطة بها، في حين أن فتح محطات جديدة يخلق دورة اقتصادية متكاملة تتجاوز مجرد نقل المسافرين.

توسع مدروس

ولفت البلوشي إلى أن التغير الذي شهدته خارطة التوسع لدى شركات الطيران العُمانية يعكس استجابة طبيعية لمتطلبات السوق، موضحًا أن هذه الشركات لا تعتمد في قراراتها على السوق المحلي فقط، بل تبني توجهها على دراسات جدوى سوقية دقيقة تراقب التدفقات السياحية المتوقعة وتحدد المحطات القادرة على تحقيق عائد أعلى وربط أفضل مع الأسواق الأخرى. وأضاف أن الانتقال من التركيز على بعض الوجهات الآسيوية إلى التوسع في أوروبا أو غيرها من الوجهات الراقية لا يأتي بصورة عشوائية، وإنما في إطار قراءة واعية للكعكة السوقية المتاحة، ومحاولة الحصول على نصيب منها بدل الاكتفاء بالمراقبة. كما أشار إلى أن شركات الطيران لا تكتفي بالتوجه إلى المحطة الجديدة، بل تربطها كذلك بشبكتها الخارجية وتروج لها في محطاتها الأخرى باعتبارها سوقًا جديدًا يمكن أن يرفدها بحركة إضافية.

خريف ظفار في الواجهة

وأكد الدكتور خالد البلوشي أن محافظة ظفار ستظل المحرك السياحي الأبرز في هذا الموسم، نظرًا لما تمثله تجربة خريف صلالة من خصوصية بيئية ومناخية جعلتها على مدى عقود وجهة مفضلة للسائح الخليجي والعربي. وقال إن التوجس الذي ساد في المنطقة في ظل النزاعات الأخيرة دفع عددًا من المسافرين إلى إعادة النظر في وجهاتهم البعيدة، والبحث عن بدائل أقرب وأكثر أمانًا من حيث المسافة وسهولة العودة والتوافق الثقافي والاجتماعي، وهو ما عزز من جاذبية محافظة ظفار بوصفها خيارًا قريبًا وآمنًا ويقدم في الوقت نفسه تجربة مناخية وطبيعية فريدة. وأضاف أن التوقعات تشير إلى أن عدد الزوار هذا العام قد يتجاوز المليون، مستندًا إلى ما أعلنه القائمون على الموسم من برامج وفعاليات، وإلى ما تملكه المحافظة من مقومات طبيعية وخدمية ومجتمعية تجعلها قادرة على استيعاب هذا الزخم.

الطيران إلى صلالة

وفي حديثه عن أثر خريف ظفار على حركة الطيران، أوضح البلوشي أن الخبرات المتراكمة لدى شركات الطيران خلال المواسم السابقة جعلتها أكثر قدرة على استشراف الطلب وتحديد عدد الرحلات والمقاعد المطلوبة، سواء من مسقط إلى صلالة أو من العواصم الخليجية مباشرة إلى المحافظة. وأضاف أن توحيد أسعار التذاكر بين بعض المشغلين المحليين يمثل خطوة مهمة في تسهيل الوصول وزيادة الإقبال على السفر الجوي خلال الموسم، كما أن دخول شركات طيران خليجية برحلات مباشرة من عواصمها إلى صلالة يفتح المجال أمام توسع أكبر في السوق، ويسهل على السائح الخليجي الوصول المباشر إلى المقصد من دون تعقيد. وأشار إلى أن هذه المعطيات مجتمعة تجعل حركة الطيران إلى صلالة هذا العام مرشحة لتحقيق نتائج مبشرة.

سر العلاقة مع السائح الخليجي

ورأى البلوشي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال»، أن سر العلاقة الطويلة بين محافظة ظفار والسائح الخليجي لا يرتبط فقط بالمناخ أو الرذاذ أو اللون الأخضر، وإنما أيضًا بالتجربة الإنسانية والوجدانية التي تمنحها المحافظة لزائرها. وذكر أن التقاء الجبل والسهل والبحر، مع الأجواء المعتدلة والطبيعة المنفتحة، يخلق حالة من الرومانسية والانسجام بين الإنسان والمكان، لا تتكرر بسهولة في المنطقة. وأضاف أن هذه التجربة انتقلت من جيل إلى جيل داخل الأسرة الخليجية، حتى أصبحت زيارة ظفار في الصيف جزءًا من الذاكرة الموسمية لكثير من العائلات، وهو ما يفسر استمرار حضورها كوجهة مفضلة رغم اتساع الخيارات الإقليمية والدولية.

تنوع المقاصد العُمانية

وأشار الدكتور خالد إلى أن السياحة الصيفية في سلطنة عُمان لا ينبغي أن تختزل في ظفار وحدها، لأن السلطنة تمتلك تنوعًا في المقاصد والمنتجات لا يتوفر في كثير من دول المنطقة. وذكر أن محافظة الداخلية، على سبيل المثال، تقدم تجربة مختلفة تقوم على التاريخ والبيئة والقرى التراثية والأفلاج والجبل الأخضر وجبل شمس، كما أن مسقط ومطرح تقدمان مزيجًا من السياحة التاريخية والبحرية والتجارية، في حين أن محافظة مسندم تملك تجربة نوعية مرتبطة بالبحر والطبيعة والعزلة الهادئة. وأضاف أن هذا التنوع يمنح سلطنة عُمان فرصة لتوزيع الحركة السياحية بين أكثر من مقصد، ويعزز قدرتها على جذب شرائح مختلفة من الزوار بحسب ميولهم واهتماماتهم.

الترويج الحلقة الأضعف

وانتقد البلوشي محدودية الترويج الإعلامي المبكر للمواسم السياحية في عُمان، معتبرًا أن هذا الجانب لا يزال أقل من مستوى المقومات التي تمتلكها عُمان. وقال إن الإعلان عن المواسم والفعاليات قبل أيام قليلة من انطلاقها لا يكفي في عالم أصبحت فيه المنافسة الإقليمية على السائح شرسة وتقوم على التخطيط المبكر والحملات المدروسة. وأضاف أن السفارات ومكاتب التمثيل السياحي وممثلي الطيران العُماني والسفارات والملاحق التجارية جميعها قادرة على أداء دور أكبر في هذا المجال، لو جرى توحيد جهودها ضمن مظلة واحدة ورسالة ترويجية متسقة. وأشار إلى أن بعض الجهود الإيجابية ظهرت بالفعل، لكنه يرى أن المرحلة الحالية تستدعي تحركًا أوسع وأسرع، لأن الوقت لا يزال مناسبًا لتحقيق تأثير ملموس إذا ما تكاملت الجهود.

السائح العُماني رصيد مهم

وفيما يتعلق بتحليل أرقام التدفق السياحي، أكد البلوشي أنه لا ينظر إلى السائح العُماني أو الخليجي أو الوافد من الخارج بوصفهم فئات متباينة في القيمة الاقتصادية، لأن الجميع ينفقون على الفنادق والمطاعم والوقود والخدمات والتجارب السياحية. وأضاف أن المواطن العُماني نفسه قد يكون في كثير من الأحيان أكثر إنفاقًا بحكم سفره مع عائلته وتنقله بسيارته واعتماده على خدمات متعددة، وهو ما يجعل التركيز على الرقم الإجمالي للتدفق أكثر أهمية من الانشغال المفرط بتصنيف الزوار. غير أنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة تكثيف الجهود لجذب أسواق خارجية جديدة، لا سيما عبر برامج وحزم متكاملة تستهدف الأسواق الخليجية والآسيوية وغيرها.

السياحة نفط أبيض

وقال البلوشي إن السياحة ينبغي أن ينظر إليها كأحد الأعمدة الأساسية للتنويع الاقتصادي في سلطنة عُمان، واصفًا إياها بأنها «النفط الأبيض» الصديق للبيئة، لما تولده من عوائد مالية وفرص عمل وحراك مجتمعي واسع. وأشار إلى أن المؤشرات المسجلة خلال العام الماضي كانت إيجابية، مع إيرادات تجاوزت 800 مليون ريال عُماني ومساهمة سياحية اقتربت من المليار، إلى جانب عدد سياح بلغ نحو أربعة ملايين، مع توقعات بارتفاع هذه المؤشرات خلال المرحلة القادمة. وأضاف أن القطاع السياحي يمتلك قدرة كبيرة على استيعاب العمالة وخلق فرص التوظيف، فضلًا عما يفتحه من مجالات للأسر المنتجة والخدمات المساندة، ما يجعله قطاعًا حيويًّا لا يقل أهمية عن القطاعات الاقتصادية الكبرى الأخرى.

الطيران والتكامل

وحول دخول الطيران العُماني وطيران السلام في منظومة أكثر تكاملًا، أوضح البلوشي في برنامج «منتدى الوصال» أن ذلك لا ينبغي أن يفهم بوصفه تنافسًا داخليًّا، وإنما تكاملًا بين شركتين تختلفان في نموذج الخدمة وتخدمان في النهاية الهدف ذاته، وهو تسهيل الوصول إلى سلطنة عُمان وتعزيز الربط معها. وأضاف أن الطيران العُماني، بدخوله في تحالفات دولية، بات قادرًا على ربط السلطنة بشبكة واسعة تتجاوز 200 محطة، فيما يلعب طيران السلام دورًا مهمًّا في الشق الاقتصادي منخفض التكلفة. وأكد أن هذا التكامل يخلق فرصًا أكبر لرفع أعداد الزوار، شرط أن يقترن بترويج فعال يملأ المقاعد الفندقية والجوية ويستثمر البنية المتاحة على أفضل وجه.

التحدي الحقيقي

وختم الأكاديمي المختص بقطاعي السياحة والطيران الدكتور خالد البلوشي حديثه بالتأكيد على أن التحدي الأكبر أمام السياحة العُمانية لا يكمن في نقص المقومات أو ضعف المنتج، وإنما في توحيد جهود التسويق والترويج، ورفع الموازنة المخصصة لهذا الجانب، بحيث تعمل الجهات المختلفة من نافذة واحدة ورسالة موحدة. وقال إن الفنادق وشركات الطيران ومكاتب السفر والسفارات ومكاتب التمثيل السياحي كلها تملك أدوات يمكن أن تسهم في رفع التدفق إلى سلطنة عُمان، لكن النجاح الحقيقي يتطلب تنسيقًا أوضح وخطة ترويجية أكثر حضورًا في الأسواق المستهدفة. وأبدى تفاؤله بأن المرحلة القادمة تحمل فرصًا واعدة للقطاع، في ظل ما تملكه سلطنة عمان من أمن واستقرار وتنوع طبيعي وثقافي وبشري يجعلها في موقع متقدم على خارطة السياحة الإقليمية.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو