د. خالد البلوشي لـ«الوصال»: التصعيد الجيوسياسي أعاد قطاع السياحة في الخليج إلى دائرة الضغط والاضطراب
منتدى الوصال
الوصال ــ وصف الدكتور خالد بن عبدالوهاب البلوشي، المختص في الشؤون السياحية، خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» عبر إذاعة الوصال، قطاع السياحة بأنه من أكثر القطاعات هشاشة وتأثرًا بأي متغيرات اقتصادية أو سياسية أو أمنية، مشيرًا إلى أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة أعادت المنطقة إلى دائرة القلق بعد التعافي اللافت الذي شهده القطاع عقب جائحة كورونا، وطرحت مجددًا تساؤلات جوهرية حول قدرة السياحة في الخليج على الصمود أمام التوترات الإقليمية. وأضاف أن ما يحدث في المنطقة نتاج منازعات متعددة الأطراف، وقد أفضى إلى تجميد واسع للنشاط السياحي، ليس فقط في الدول المستقبلة، وإنما كذلك في الدول المرسلة للسياح، ما جعل التأثير عميقًا ومتشعبًا، مع بقاء الأمل قائمًا في تعافٍ قريب.
قطاع هش أمام التوترات
وبيّن البلوشي أن تأثير هذه التطورات لم يقتصر على جانب واحد، بل امتد إلى مستويات متعددة تبدأ من ارتفاع أسعار المحروقات والطاقة، وما ترتب عليه من زيادة كلفة وقود الطائرات، مرورًا بارتفاع رسوم التأمين، وانتهاءً بارتفاع أسعار تذاكر السفر. وأوضح أن هذه التراكمات انعكست مباشرة على الفنادق ومؤسسات الإيواء التي واجهت إلغاء آلاف الحجوزات، إلى جانب ما وصفه بحركة هروب جماعي للسياح من المنطقة نحو بلدانهم، حيث اضطرت بعض الدول إلى تنظيم رحلات إخلاء، في وقت لجأ فيه سياح آخرون إلى الرحلات البرية نحو دول مجاورة ثم مغادرتها عبر مطارات أخرى، ومن بينها مطارات سلطنة عُمان. وأكد أن الخسائر لم تتوقف عند الفنادق فقط، بل شملت المطاعم والمشروبات والأنشطة الترفيهية والإرشاد السياحي والنزل ومختلف الخدمات المرتبطة بهذا القطاع.
خسائر بمليارات وتوقف مواسم كاملة
وأشار الدكتور خالد ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» إلى أن موسم الربيع في الخليج انتهى فعليًّا وفُقد أثره هذا العام، بعد أن كان معولًا عليه في عدد كبير من الزيارات والحجوزات، لافتًا إلى أن قطاع السفن السياحية كان من أكثر القطاعات تضررًا، إذ توقفت الرحلات بالكامل بسبب الضربات التي وقعت في المضايق وتخوف شركات التشغيل من دخول المنطقة. وأضاف أن بعض السفن ظلت محجوزة داخل الخليج العربي ولم تتمكن من المغادرة، ما أجبرها على إجلاء ركابها بوسائل برية إلى سلطنة عُمان ومن ثم إعادتهم جوًّا إلى بلدانهم. كما أوضح أن معدلات الإشغال الفندقي في دول الخليج هبطت إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، وأن آخر الإحصاءات تشير إلى أن خسائر قطاع السياحة في المنطقة تجاوزت 32 مليار دولار، بعد أن كان الحديث في وقت سابق يدور حول خسائر يومية تقارب 600 مليون دولار.
السفن السياحية والبرامج الملغاة
ولفت البلوشي إلى أن الضرر لم يصب المشغلين المباشرين فقط، بل طال كذلك شركات إدارة المقاصد السياحية ومقدمي الخدمات المرتبطة بالسفن والرحلات الجماعية، ممن سبق لهم حجز سيارات الدفع الرباعي والحافلات والنزل والتعاقد مع أسر منتجة وفنادق ومرشدين سياحيين ومقدمي برامج وأنشطة. وذكر أن إلغاء هذه البرامج فجأة خلق إشكاليات مالية كبيرة، خاصة في ما يتعلق برد المبالغ المدفوعة مقدمًا، في قطاع يتسم أصلًا بمنافسة شديدة تدفع مقدمي الخدمات إلى طلب الدفعات المسبقة لضمان الحجز والتجهيز. وأضاف أن الخسائر هنا لم تقع على طرف واحد، بل شملت مختلف حلقات السلسلة السياحية، من طالب الخدمة إلى مزودها.
التأمين ووقود الطيران يرفعان الكلفة
وأوضح أن التأمين بات عاملًا ضاغطًا إضافيًّا على حركة السياحة والسفر، سواء على مستوى المسافرين أنفسهم أو على مستوى شركات الطيران والسفن السياحية والتجارية. وأشار إلى أن بعض المسافرين يحصلون على تأمين تلقائي عبر بطاقات الائتمان، إلا أن التأثير الأكبر كان على شركات التشغيل، حيث ارتفعت أقساط التأمين على الرحلات الجوية والبحرية التي تمر قرب مناطق النزاع، ما انعكس على أسعار الشحن البحري والبري والجوي معًا. وأضاف أن شركات الطيران أصبحت مضطرة كذلك إلى استخدام ممرات آمنة جديدة بدل المسارات المعتادة، ما يعني زيادة ساعات الطيران واستهلاك الوقود ورفع الكلفة التشغيلية، في حين ظلت شركات التأمين تتعامل بحذر شديد مع الأوضاع القائمة وتفرض أسعارًا مرتفعة رغم وجود تلك الممرات الآمنة.
بين السفر والمخاطرة
وفي قراءته لوضع السفر في هذه المرحلة، رأى البلوشي أن الأمر يرتبط بطبيعة الشخص نفسه ومدى استعداده للمغامرة، مشيرًا إلى أن الخطر لا يكمن فقط في تكاليف الرحلة، بل في احتمال حدوث تطورات قد تمنع الطائرات من الإقلاع أو الهبوط في حال اتساع النزاع أو فرض حظر جوي، ما قد يترك المسافر عالقًا في الدولة التي يقصدها. وأكد أنه لا يدعو إلى إلغاء السفر بالكامل، بل إلى التريث قليلًا، وانتظار مزيد من الوضوح، مع أهمية الحجز المشروط بإمكانية الإلغاء المسبق سواء في تذاكر السفر أو الفنادق، بوصف ذلك أحد الضمانات المهمة في هذه المرحلة. وأضاف أن بعض الدول، خاصة في شرق وجنوب شرق آسيا، لا تزال تستقبل الزوار بشكل طبيعي، لكنّها تعاني بدورها من ارتفاع أسعار الطاقة وتعمل على حملات لتقليل استهلاكها.
الأزمة الحالية أخف من كورونا
وأكد البلوشي أن الوضع الحالي، رغم صعوبته، يبقى أخف من أزمة كورونا، لأن تلك الجائحة فرضت نفسها على العالم كله وخرجت عن إرادة الجميع، بينما الحروب قابلة للأخذ والرد والتراجع والتهدئة، والجميع في المنطقة لا يرغب في استمرارها. وتوقع أن تصل الأمور في نهاية المطاف إلى مرحلة تهدأ فيها الأوضاع وتعود الحركة تدريجيًّا، بل ورجّح أن تشهد المرحلة اللاحقة نوعًا من الازدحام على السفر نتيجة الطلب المؤجل، وربما ارتفاعًا في أسعار التذاكر والفنادق مع عودة الزخم، في محاولة من القطاع لتعويض جزء من خسائره. وأشار أيضًا إلى أن شركات الطيران تواجه معضلة إضافية تتمثل في المطالبات الكبيرة برد قيمة التذاكر غير المستخدمة، في وقت تعتمد فيه هذه الشركات على تلك السيولة لتغطية شراء الوقود والخدمات والتشغيل.
السياحة الداخلية تتنفس
ورأى أن الأزمة خلقت، في المقابل، فرصة نسبية للسياحة الداخلية، إذ ظهرت وجهات داخلية بدأت تستقطب الاهتمام مثل حيل الغاف في ولاية قريات، وموسم الورد في ولاية الجبل الأخضر، وموسم التوت الأزرق، إضافة إلى الجبل الأخضر وجبل شمس والجبل الشرقي وبر الحكمان وغيرها من المواقع التي بدأت تحضر بقوة في المشهد السياحي. وأضاف أن ما جرى لم يأتِ بفراغ كامل، بل أوجد رد فعل إيجابيًّا جزئيًّا، تمثل في انتعاش نسبي لبعض المقاصد الداخلية، حتى وإن كانت الظروف المناخية والتقلبات الجوية وما يصاحبها من أمطار وأودية قد جعلت قرار الخروج لدى بعض الناس مشوبًا بالحذر والتردد. وأكد أن احترام التنبيهات الصادرة عن الجهات المعنية يظل أولوية، لأن سلامة الإنسان تتقدم على كل اعتبار آخر.
مهرجان الورد نموذجًا
وأشار إلى أن موسم الورد في الجبل الأخضر، رغم صغر حجمه من حيث العائد المباشر، قدم نموذجًا جاذبًا في كيفية تحول مورد محلي موجود منذ مئات السنين إلى ظاهرة سياحية لافتة، بعد أن صنع لنفسه حضورًا واسعًا عبر الصور والتجارب والانتشار السريع على وسائل التواصل الاجتماعي. ورأى أن مهرجان الورد مثال على المهرجانات ذات البعد البيئي الإيجابي، متمنيًا إدراجه ضمن أجندة الفعاليات السياحية في سلطنة عمان وتطوير أنشطة موازية له. كما لفت إلى أن الجبل الأخضر وولاية نزوى أصبحا مدرسة في السياحة الداخلية، بما حفزا عليه من تقليد إيجابي في ولايات أخرى قد تتجه إلى تطوير مواسمها الخاصة ومنتجاتها المحلية وتحويلها إلى مهرجانات جاذبة.
ظفار أيقونة المرحلة المقبلة
وأكد البلوشي أن محافظة ظفار ستكون، في تقديره، أيقونة النشاط السياحي في المرحلة المقبلة، وأنها تمثل الملاذ الأسهل والأقرب والأكثر أمانًا لسياح الخليج والمنطقة، متوقعًا أن يتجاوز عدد زوارها هذا العام مليونًا ونصف المليون. وأشار إلى أن صلالة تملك مناخًا مختلفًا ومنتجًا سياحيًّا متنوعًا وحضورًا خاصًّا لا يشبه أي وجهة أخرى، إلى جانب جاهزية متنامية في الرحلات الجوية والخدمات والتسهيلات. كما توقع أن تسهم مشاريع التطوير العقاري والسياحي في ظفار في جذب مزيد من السائحين الخليجيين والمستثمرين خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع تنامي الشعور بأن سلطنة عُمان تمثل وجهة آمنة ومستقرة وسط التوترات الإقليمية.
الفنادق بين الصدمة والتعافي
وفي حديثه عن أوضاع الفنادق في سلطنة عمان، قال إن القطاع تأثر فعلًا، وإن نسب الإشغال لم تعد إلى ما كان مأمولًا، حتى خلال فترات كان يُفترض أن تشهد زخمًا مثل مواسم الأعياد، وإن بعض الفنادق عانت من إلغاء عدد كبير من الحجوزات. لكنه في المقابل أشار إلى وجود مؤشرات انتعاش نسبي في بعض المواقع مثل الجبل الأخضر خلال عطلات نهاية الأسبوع، نتيجة رغبة الناس في التغيير والبحث عن بدائل داخلية. وأضاف أن الصدمة التي تلقاها القطاع لم تكن هينة، وأن آثارها طالت فنادق ومؤسسات ومقدمي خدمات كثر، ما يجعل الحاجة ماسة إلى مساندة حقيقية تساعد هذه المنشآت على تجاوز المرحلة.
دعوة إلى التخفيف والدعم
وشدد البلوشي على أهمية أن تنظر الحكومة إلى المتضررين في القطاع السياحي، سواء عبر إتاحة فترات سماح أو تخفيف الرسوم أو إعادة جدولة بعض الالتزامات، موضحًا أن المؤسسات السياحية تتحمل رسومًا متعددة مثل الرسوم البلدية والرسوم السياحية والقيمة المضافة وغيرها، وأن تخفيف هذه الأعباء من شأنه أن يخفف وطأة الخسائر الحالية. كما أشار إلى أن لجنة السياحة بغرفة تجارة وصناعة عُمان بدأت بالفعل التحرك في هذا الملف، عبر التواصل مع أصحاب المصلحة وإعداد مخاطبات إلى وزارة التراث والسياحة بشأن المعاناة التي تمر بها المؤسسات السياحية، معربًا عن أمله في أن يقود هذا التضافر بين الجهات إلى نتائج محسوسة لا تبقى في حدود التنسيق النظري فقط.
الترويج الآن .. لا لاحقًا
وأكد أن ما تحتاجه سلطنة عمان في هذه المرحلة هو زيادة جرعة الترويج السياحي على نحو حقيقي، لا الاكتفاء بالمشاركة التقليدية في المعارض ضمن مئات الجهات الأخرى. ودعا إلى استثمار صورة سلطنة عُمان بوصفها دولة آمنة ومستقرة في الترويج لها لدى الأسواق الجديدة والقديمة، خاصة في الدول الإسكندنافية واليابان وآسيا الوسطى وغيرها من الأسواق الواعدة. وأضاف أن وزارة التراث والسياحة تقوم بدور في هذا الجانب، لكن الظرف الحالي يستدعي مضاعفة الجهد والمخصصات الموجهة للترويج، وتوسيع الأدوات المستخدمة داخليًّا وخارجيًّا، بما يفتح أسواقًا جديدة ويعيد تنشيط أسواق قائمة.
التفاؤل ضرورة
وفي ختام حديثه، دعا البلوشي إلى تبني التفاؤل بوصفه خيارًا ضروريًّا في هذه المرحلة، مؤكدًا أن التشاؤم لن ينتج إلا مزيدًا من الكآبة والضغط على القطاع، في حين أن عمان، بما تملكه من أمن وموقع وتجربة وهدوء سياسي، قادرة على تحويل هذه الأزمة إلى فرصة إذا أحسنت الترويج، ودعمت مؤسساتها السياحية، واستثمرت في تنشيط السياحة الداخلية والخارجية معًا. واعتبر أن مواسم مثل خريف ظفار وموسم الورد في الجبل الأخضر يمكن أن تكون نماذج مشجعة لما يمكن أن تصنعه سلطنة عمان حين تبني على مواردها المحلية وتتعامل بإيجابية مع التحديات.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


