د. خالد البلوشي لـ«الوصال»: «صناعة الترفيه» قطاعٌ واسعٌ يتجاوز الحفلات ويصنع عائدًا اقتصاديًا إذا اكتمل «مثلث الترفيه والتسوق والتذوق»
منتدى الوصال
الوصال ــ قدّم الدكتور خالد بن عبدالوهاب البلوشي، المختص بقطاع السياحة والطيران وعضو لجنة السياحة بغرفة تجارة وصناعة عُمان، خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال»، قراءة موسعة لمفهوم «صناعة الترفيه»، موضحًا أن الترفيه لا ينحصر في الموسيقى أو الحفلات فقط، بل يمتد إلى السينما والمسرح والفنون والألعاب الرياضية والفعاليات الموجهة للكبار والأطفال، باعتباره قطاعًا عالميًا متشعبًا يتصل بالروح والعقل والجسد في آنٍ واحد، وهدفه الأساسي «إسعاد الفرد» وتعزيز جودة الحياة.
وأشار الدكتور البلوشي إلى أن هذا القطاع يُعد من القطاعات الاقتصادية المربحة عالميًا، إذ يدر عوائد ضخمة وفق مؤشرات دولية، مع توقعات بارتفاعها خلال عام (2026)، لافتًا إلى أن كثيرًا من الدول أنشأت هيئات وبرامج للترفيه لرفع مستويات السعادة وتوفير منصات متنوعة من المهرجانات والكرنفالات ومراكز الترفيه لكافة الأعمار.
وجوه غير معلنة
وتطرق الدكتور البلوشي إلى الجوانب الأقل ظهورًا في هذا القطاع، مبينًا أن أي صناعة قد تحمل أبعادًا مختلفة؛ فهناك من يتبنى الترفيه لأهداف اقتصادية مباشرة، ومن قد يستخدمه بصورة سياسية لإحداث «إلهاء» عن قضايا بعينها، مؤكّدًا في الوقت نفسه أن هذه الجوانب ليست هي الصورة الغالبة، وأن القراءة العامة للترفيه لدى الناس ترتبط بطبيعته الفطرية بوصفه مساحة للبهجة والمتعة.
أين تقف سلطنة عُمان؟
وعن واقع «صناعة الترفيه» في سلطنة عُمان، أوضح الدكتور البلوشي أن التجربة مرت بمراحل مختلفة منذ السبعينيات، بدءًا من التلفزيون والراديو والسينما، وصولًا إلى التحولات الرقمية والانفتاح العالمي، لكنه أشار إلى أن النظرة السائدة محليًا لا تزال تربط الترفيه غالبًا بـ«المهرجان»، فيما تحتاج التجربة إلى تطوير في المحتوى وطريقة تقديم الفعاليات، معتبرًا أن تكرار النمط التقليدي يجعل كثيرًا من المهرجانات محصورة في إطار الساحات والألعاب والمسابقات والعروض الموسيقية، دون أن تتوسع إلى نماذج أكثر تنوعًا وتأثيرًا.
وطرح الدكتور البلوشي مقارنة بتجارب دولية أعادت تعريف «المهرجان» من حدث محلي إلى فعالية دولية تجذب قطاعات المسرح والسينما والفنون والرياضة، فيما اتجهت بعض الدول إلى الاستغناء عن مصطلح «المهرجان» أصلاً والاعتماد على فعاليات متنوعة تؤدي دورًا ترفيهيًا متكاملًا.
لماذا يتردد المستثمر؟
وحول ابتعاد المستثمرين ورواد الأعمال عن تنظيم الفعاليات في سلطنة عُمان مقارنة بحجم ربحية هذا القطاع، بيّن الدكتور البلوشي أن الفعاليات الترفيهية بطبيعتها «سريعة العمر» ومعرضة للتذبذب؛ فأي حدث بسيط قد يؤثر على الإقبال ويخلق خسائر، ما يجعل بعض المستثمرين أكثر حذرًا، لكنه في المقابل رأى أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تُقبل على المشاركة لكون العائد سريعًا ورسوم المشاركة غالبًا مناسبة.
وأكد أن نجاح الفعاليات يحتاج إلى اكتمال ما أسماه «الثلاث تاءات»: «الترفيه، التذوق، التسوق»، معتبرًا أن وجود الترفيه والتذوق دون التسوق يقلل من اكتمال العائد الاقتصادي، واقترح أن تُستثمر مواسم الفعاليات في تقديم مزايا تسويقية مرافقة، مثل ربط الفعاليات بعروض للمراكز التجارية، بما يعزز حركة السوق ويكمل منظومة الإنفاق السياحي.
جيل جديد ورغبات مختلفة
وفي جانب علاقة الجمهور بالفعاليات خلال السنوات الأخيرة، لفت الدكتور البلوشي إلى أهمية فهم الأجيال الجديدة ومتطلباتها، موضحًا أن الشريحة الشبابية باتت تمثل نسبة كبيرة من التركيبة السكانية، وأن احتياجاتها لا يمكن تلبيتها بالنمط التقليدي وحده، داعيًا إلى استبيانات واستطلاعات قبل إطلاق أي مهرجان لمعرفة ما الذي يبحث عنه الجمهور في المحتوى، ومشيرًا إلى أن «الكرنفالات» والمسيرات ذات «الثيم» المحدد قد تمثل نموذجًا يمكن أن يضيف تنوعًا جديدًا في سلطنة عُمان خلال موسم الشتاء الممتد تقريبًا من (سبتمبر) إلى (أبريل).
كما دعا إلى استثمار «مهرجانات المواسم» المرتبطة بخصوصيات المحافظات، مثل المنتجات الزراعية والبحرية، بوصفها فرصًا لترويج المكان وصناعة حراك اقتصادي داخل الولاية، مؤكدًا أن هذه النماذج موجودة لكنها تُقدَّم أحيانًا بصورة محدودة، فيما يمكن تحويلها إلى مهرجانات كبيرة ذات أثر أوسع.
لا هيئة جديدة.. بل تطوير الأدوات
وعن فكرة إنشاء هيئة مختصة بالترفيه، رأى الدكتور البلوشي أن إضافة هيئة جديدة قد تكون صعبة في ظل تعدد الجهات المعنية بالفعل، مثل وزارة الثقافة والرياضة والشباب ووزارة التراث والسياحة والمحافظات، معتبرًا أن «اللامركزية» ميزة يمكن البناء عليها بشرط تعزيز الوعي وتطوير الخبرات من خلال الاطلاع على تجارب الدول الأخرى ونقل ما يناسب سلطنة عُمان، مع التأكيد على أن الترفيه ليس بالضرورة غناء أو صخبًا، بل يمكن أن يكون ثقافيًا وأدبيًا ومسرحيًا وسينمائيًا وجلسات وندوات منظمة.
التقويم السنوي للفعاليات
وأكد الدكتور البلوشي أن وجود «رزنامة الفعاليات» السنوية كان ضمن مستهدفات «رؤية عُمان 2040»، مشيرًا إلى أن سلطنة عُمان تمتلك بالفعل فعاليات ذات بعد عالمي وإقليمي مثل بعض الماراثونات والبطولات والفعاليات البحرية والمعارض، لكنه شدد على ضرورة «الزخم الإعلامي» وتوسيع التوعية بها، مع مراعاة تكاليف الحضور على الأسر من سكن وتنقلات وإقامة.
قراءة في تجربة الحفلات
وفي تعليقه على التجارب الغنائية التي أُقيمت مؤخرًا، أوضح الدكتور البلوشي أنها جذبت زوارًا من دول مجاورة وأسهمت في إشغال الفنادق وزيادة الإنفاق داخل سلطنة عُمان، معتبرًا أن إدخال البهجة للناس أثر إيجابي، وأن «التصرفات الفردية» لا يجوز تعميمها على الحدث بأكمله، داعيًا إلى عدم تضخيم الجدل الذي قد تُذكيه منصات التواصل، ومؤكدًا أن الدولة تمتلك منظومة قانونية تتعامل مع أي تجاوزات وفق الإجراءات الرسمية.
كيف تصبح التجربة عالمية؟
ورأى الدكتور البلوشي أن سلطنة عُمان لديها بالفعل فعاليات ذات بعد عالمي، ويمكن توسيع هذا المسار عبر زيادة الفعاليات الإقليمية والدولية لأنها تعود بعائد اقتصادي مباشر على السوق المحلي، مشددًا على ضرورة تطوير المحتوى واستقطاب الخبرات بما يخدم هوية سلطنة عُمان ويحافظ على عاداتها وقيمها دون أن يعطل فرص النمو.
وفي ختام حديثه، وجّه الدكتور البلوشي رسائل لصناع القرار تتمثل في إتاحة زيارات للاطلاع على التجارب الدولية ونقل ما يناسب البيئة المحلية، والحرص على اكتمال «مثلث الترفيه والتسوق والتذوق»، وتوسيع مساحات الفعاليات والكرنفالات والمهرجانات بما يصنع فرص عمل ويعزز نشاط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ويرفع الزخم السياحي والاقتصادي داخل سلطنة عُمان.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


