د. وليد الراجحي لـ«الوصال»: مؤسسات التعليم العالي تجاوزت مرحلة الامتثال للمعايير إلى قياس الأثر الحقيقي في جودة المخرجات
ساعة الظهيرة
الوصال ــ أكد الدكتور وليد بن خالد الراجحي، عميد عمادة التخطيط وإدارة الجودة بجامعة نزوى، خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة»، أن تنظيم مؤتمر يناقش إعادة تصور ضمان الجودة في هذا التوقيت يحمل أهمية كبيرة، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها مؤسسات التعليم العالي، وما يرافقها من التزامات متزايدة تجاه جهات الاعتماد والتصنيف، إلى جانب مسؤولياتها في الإسهام في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040. وأشار إلى أن مؤسسات التعليم لم تعد تعمل في بيئة التغيير التدريجي كما كان في السابق، وإنما أصبحت تتحرك في ظل طفرة تقنية أعادت تشكيل مفهوم الفصل الدراسي والتعليم العالي، وأعادت النظر كذلك في دور عضو هيئة التدريس، وآليات التقييم، وموقع الطالب داخل العملية التعليمية. وأضاف أن أنظمة الجودة التقليدية، التي كانت تركز على المدخلات مثل المناهج والمرافق، لم تعد وحدها كافية، وهو ما يفرض اليوم إعادة تصور أكثر اتساعًا يأخذ في الاعتبار الذكاء الاصطناعي، والتعلم المدمج، ومتطلبات سوق العمل المتقدمة.
من الامتثال إلى القيمة المضافة
وأكد الراجحي أن مفهوم الامتثال للمعايير شهد تحولًا جوهريًّا، موضحًا أن السؤال في السابق كان يدور حول وجود السياسات والسجلات والتقارير، أما اليوم فقد أصبح السؤال الأهم: ماذا تغير في قدرات الخريج؟ وهل انعكس ذلك على مستوى إبداعه وتوظيفه ومشاركته المجتمعية؟ وأوضح أن مؤسسات التعليم انتقلت من مرحلة الاكتفاء بامتثال شكلي للضوابط والأدلة المطلوبة، إلى مرحلة أوسع تقوم على البحث عن القيمة المضافة الحقيقية. وأضاف أن الأمر لم يعد يقتصر على وجود مهارات القرن الحادي والعشرين داخل الخطط الدراسية، وإنما أصبح يتطلب قياس مدى اكتساب الطالب لهذه المهارات فعلًا، من خلال مؤشرات أثر واضحة تشمل التقييم الذاتي، والتغذية الراجعة من جهات العمل، وتحليل مستوى المخرجات بصورة أدق. وأشار إلى أن جامعة نزوى تعمل في هذا الإطار على تحويل المقاييس من مجرد عدد ساعات دراسية إلى جودة مخرجات قائمة على مؤشرات قياس أثر واضحة.
متطلبات لا ضغوط
وفي حديثه عن الضغوط التي تواجهها المؤسسات التعليمية والطلبة، أوضح الراجحي أنه لا ينظر إلى هذه المعطيات بوصفها ضغوطًا بالمعنى السلبي، وإنما باعتبارها متطلبات وكفاءات ينبغي تعزيزها في الطالب. وأكد أن سوق العمل اليوم يتطلب من الطالب امتلاك مهارات التعلم مدى الحياة، أي أن يعرف كيف يتعلم، وكيف يطور نفسه بنفسه، وهو ما يجعل هذه المرحلة فرصة لبناء شخصية أكثر جاهزية للمستقبل. وأضاف أن الطالب حين يدرك هذه المتطلبات بوصفها أدوات لتطوير ذاته لا عبئًا عليه، فإنه يصبح أكثر قدرة على التفاعل معها. كما شدد على أن نجاح هذا المسار يحتاج إلى دعم مؤسسي واضح، واحتضان من المؤسسة التعليمية، لأن دورها في النهاية هو تيسير هذه العملية وتمكين الطالب من أدواتها، وليس مجرد فرضها عليه.
الذكاء الاصطناعي أداة تحسين
وأشار الراجحي إلى أن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي أصبحا عنصرين محوريين في تطوير جودة التعليم، موضحًا أن غالبية محاور المؤتمر جاءت متكاملة في الربط بين ممارسات الجودة المعتادة وبين استخدامات الذكاء الاصطناعي. وأضاف أنه عرض خلال المؤتمر نموذجًا لكيفية إدارة الأدلة الداعمة لمتطلبات الاعتماد والتصنيفات الدولية، وربطها أيضًا بمستهدفات رؤية عُمان 2040، ومتطلبات الخطط الاستراتيجية والتشغيلية للمؤسسة. وبيّن أن الكم الكبير من الأعمال والمتطلبات جعل من الضروري على المؤسسات أن توظف الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي بوصفهما أدوات تساعد على تنظيم العمل وتحليل البيانات وتحسين القرارات. وأوضح أن بعض هيئات الاعتماد الدولية بدأت تطلب من مؤسسات التعليم أدلة على كيفية استخدام البيانات الضخمة والتحليلات التنبؤية لتحسين تعلم الطالب، مشيرًا إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في رصد أنماط الضعف لدى الطلبة قبل وقوع الرسوب، وفي تصميم تدخلات مخصصة لكل طالب، إلى جانب أتمتة عمليات الجودة، مثل توثيق الإنجازات، وتحليل تقييم المقررات، واكتشاف الثغرات في البرامج الأكاديمية. وخلص إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية مرافقة، وإنما أصبح أداة تحسين حقيقية في العمل المؤسسي والتعليمي.
تحديات الجودة الحديثة
وعن التحديات التي تواجه مؤسسات التعليم في الوصول إلى الجودة الحديثة، لخص الراجحي أبرزها في ثلاث نقاط رئيسية. تتمثل الأولى في التحدي الثقافي والمؤسسي، موضحًا أن مقاومة التغيير والنظر إلى الجودة بوصفها إجراءات روتينية، لا ثقافة عمل، ما زال يمثل عائقًا في بعض البيئات التعليمية. وأكد أن الجودة مسؤولية الجميع، على مستوى الفرد والمؤسسة، وأنها ترتبط بثقافة الإتقان وتحسين العمل. أما التحدي الثاني فيتعلق بـالثورة الرقمية، وما يرتبط بها من تفاوت في البنى التحتية، ومهارات التحليل، والقدرة على استخدام التحليلات التنبؤية بين المؤسسات المختلفة. في حين يتمثل التحدي الثالث في سرعة التغير التقني، حيث تسبق الأطر المعيارية للاعتماد أحيانًا قدرة المؤسسات على مواكبتها وتطوير أدواتها الداخلية بما يتناسب مع هذا التسارع. وأضاف أن تحديًا آخر يبرز كذلك في قدرة المؤسسات على قياس الأثر، إذ إن كثيرًا منها تجمع البيانات، لكنها لا تزال تواجه صعوبة في تحويل هذه البيانات إلى قرارات تحسين مؤثرة في الوقت المناسب. وأشار إلى أن جامعة نزوى تعاملت مع هذه الجوانب من خلال تشكيل فرق عمل مخصصة، وبرامج تدريب مستمرة، وشراكات مع مؤسسات رقمية، دعمًا لقدرتها على التطوير الذاتي ومواكبة متطلبات الاعتماد.
الحوكمة والجاهزية
وأوضح الراجحي أن الحديث عن جودة التعليم والذكاء الاصطناعي والحوكمة المتكاملة يفضي في النهاية إلى هدف أكبر هو تحقيق التميز المؤسسي. وأكد أن الجاهزية تبدأ من حوكمة واعية، تشمل حوكمة البيانات، والإجراءات، والسياسات، إلى جانب بناء ثقافة جودة شاملة يشارك فيها أعضاء هيئة التدريس والطلبة وإدارة الجامعة على حد سواء. وأضاف أن وجود نظم إلكترونية متكاملة لإدارة الجودة ومتطلباتها، وتوثيق الإجراءات، وتبني منهجية التحسين المستمر، والمراجعة الداخلية الفورية والدورية، كلها عناصر تسهم في دعم هذه الجاهزية، وترفع من قدرة المؤسسة على اتخاذ قرارات تعليمية أكثر دقة وفعالية.
أجواء مؤتمرية لافتة
وفي حديثه عن أجواء المؤتمر، وصفها الراجحي بأنها مثيرة ومثمرة، مؤكدًا أن أثرها كان ملموسًا على أرض الواقع. وأوضح أن المؤتمر نُظم بالشراكة مع جامعة التقنية والعلوم التطبيقية، وأن محاوره الرئيسة وكلماته العلمية تمحورت حول حوكمة أداء الجودة وأثرها وسبل تحسينها من خلال إدخال الذكاء الاصطناعي في منظومة العمل. وأضاف أن المؤتمر شهد مشاركة 46 ورقة علمية توزعت على يومين، إلى جانب أربع ورش عمل متخصصة، مع حضور كثيف بلغ نحو 300 مشارك بحسب التسجيل. واعتبر أن من أبرز مؤشرات النجاح بقاء المشاركين حتى نهاية الجلسات العلمية والورش، وهو ما عدّه إنجازًا بحد ذاته، لأنه يعكس حجم التفاعل والاهتمام بالمحاور المطروحة.
دعوة إلى الإفادة الأوسع
واختتم الراجحي حديثه بالتأكيد على أهمية تعميم الفائدة من مثل هذه المؤتمرات، مشيرًا إلى وجود روابط مرئية يمكن مشاركتها لاحقًا بما يتيح الاستفادة الأوسع من الأوراق العلمية والمناقشات التي شهدها المؤتمر. وأكد أن النقاش حول جودة التعليم، والتحول الرقمي، والاعتماد الأكاديمي، لم يعد شأنًا مؤسسيًّا مغلقًا، وإنما أصبح جزءًا من سؤال أكبر يتعلق بكيفية إعداد خريج أكثر قدرة على التعلم والإبداع والمساهمة في سوق العمل والمجتمع.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:



