دلال العلوي لـ«الوصال»: أخطر ما يواجه الزواج من الخارج ليس اختلاف الجنسية، لكنه غياب الوعي والتكامل بين الزوجين
منتدى الوصال
الوصال ــ تحدثت دلال بنت سليم العلوي، الباحثة في علم الاجتماع خلال برنامج «منتدى الوصال» عبر إذاعة الوصال، عن موضوع «الزواج من الخارج» أو «الزواج العابر للحدود» مشيرة إلى أنه لا يمكن قراءته من زاوية فردية ضيقة، لأن علم الاجتماع يتعامل معه بوصفه «ظاهرة اجتماعية» تعكس حيوية المجتمع وتحولاته وانفتاحه، خاصة بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على صدور المرسوم السلطاني رقم «23/2023».
وأشارت إلى أن هذا التسهيل لا يعني الدعوة إلى الزواج من الخارج، كما يظن بعض الناس، لكنه يعكس ثقة في وعي المجتمع وقدرته على التعامل العقلاني مع هذا الخيار وما يترتب عليه من مسؤوليات وتبعات. وأضافت أن الحديث في هذا الملف يجب أن ينطلق من الربط بين «الهوية العُمانية الأصيلة» وبين تأثيرات «العولمة» والقوانين الحديثة والانفتاح الثقافي الذي لم تعد سلطنة عُمان بمنأى عنه.
قراءة اجتماعية
وبيّنت دلال العلوي أن الزواج من الخارج، من منظور علم الاجتماع، يندرج ضمن ما يعرف بـ«الزواج بين الثقافات» أو «الزواج العابر للحدود»، موضحة أن هذه الظاهرة لم تعد مستغربة في ظل الانفتاح العالمي وتغير أنماط الحياة والتواصل. وأضافت أن المجتمع العُماني تاريخيًّا ليس غريبًا عن هذا النوع من الاندماج، في ظل ما عرفه عبر تاريخه من هجرات إلى الساحل الإفريقي وتواصل مع شعوب وثقافات متعددة، الأمر الذي يجعل المسألة، في جذورها، ليست صدمة حضارية بقدر ما هي امتداد لتحولات اجتماعية وثقافية طويلة. كما لفتت إلى أن من العوامل التي جعلت هذا الزواج أكثر حضورًا «التغير الاجتماعي» و«التمازج الثقافي» و«العوامل الديموغرافية والاقتصادية»، غير أنها شددت في الوقت نفسه على صعوبة تعميم سبب واحد أو تفسير واحد لكل الحالات، لأن القرار يبقى في النهاية مرتبطًا بوعي المقبل على الزواج وظروفه الخاصة.
تسهيل بوعي
وأكدت الباحثة في علم الاجتماع أن القانون الجديد لا ينبغي أن يفهم على أنه تشجيع مفتوح على هذا النمط من الزواج، بل هو «تسهيل بوعي»، يهدف إلى تنظيم واقع قائم والتعامل معه مؤسسيًّا بطريقة أوضح. وأشارت إلى أن الانتقال من حالة الرفض أو التعقيد السابق إلى حالة التسهيل لا يعني إلغاء التبعات أو إهمال المسؤولية، لكنه يعكس إدراكًا بأن المجتمع قادر على اتخاذ قراراته بطريقة أكثر عقلانية، خاصة إذا صاحب ذلك دعم أسري ومجتمعي ووعي من الطرفين المقبلين على الزواج. ورأت أن هذا التحول أخرج الموضوع من كونه «تابو اجتماعيًّا» إلى كونه خيارًا يحتاج إلى فهم عميق وحسن تقدير قبل الإقدام عليه.
الأسرة والتوافق
وفي حديثها عن التوافق الأسري والاجتماعي، أوضحت دلال العلوي أن نجاح الزواج العابر للحدود يرتبط إلى حد كبير بما سمته «التنشئة الاجتماعية المزدوجة»، حيث ينشأ الأبناء في بيئة تتقاطع فيها ثقافة الأب مع ثقافة الأم، وهو ما يفرض على الزوجين قدرًا أكبر من التفاهم والوضوح في توزيع الأدوار والتعامل مع الفروقات الثقافية. وأضافت أن العلاقة مع «العائلة الممتدة» تؤدي دورًا مهمًّا في هذا الجانب، لأن قبول الأسرة لهذا الزواج ومباركتها له يسهمان في إدماج الطرف الآخر والأبناء داخل البيئة الاجتماعية، ويخففان من احتمالات الرفض أو الإحساس بالاختلاف. واستشهدت بحالات يظهر فيها أبناء الزواج من الخارج أكثر اندماجًا في الزي والعادات والمناسبات العُمانية نتيجة حرص الأب أو الأم والأسرة الكبيرة على احتوائهم وإشعارهم بأنهم جزء أصيل من هذا النسيج.
اختلال التوازن
وأشارت دلال العلوي إلى أن التحديات تبدأ حين يغيب هذا التوازن، أو حين ترجح كفة طرف على آخر في إدارة الأسرة والتنشئة، لأن الأبناء في هذه الحالة قد يواجهون صعوبات في بناء شخصية مستقرة وواثقة. وأوضحت أن الإشكال لا يكمن في وجود ثقافتين داخل الأسرة بحد ذاتهما، لكنه يظهر عندما يغيب «التفاوض المستمر» والتفاهم بين الزوجين، أو حين يتخذ قرار الزواج من الخارج من دون قبول حقيقي من الأسرة، فتظهر انعكاسات ذلك في نظرة العائلة أو المجتمع أو في شعور الأبناء بالتهميش أو الرفض. ورأت أن الأبناء متى ما نشؤوا في بيئة أسرية قوية ومتماسكة، فإنهم يصبحون أكثر قدرة على مواجهة أي ضغوط خارجية أو نظرات سلبية، وأكثر فخرًا بانتمائهم للطرفين معًا.
الأبناء والهوية
وفي ما يتعلق بملف الأبناء والهوية، أوضحت أن علم الاجتماع الحديث يتحدث عن «الهوية المركبة»، أي تلك التي تتشكل من ثقافة الأم وثقافة الأب معًا، ولا ينظر إلى أبناء هذا الزواج بوصفهم ضحايا اختلاط ثقافي، لكنه يتعامل معهم بوصفهم «فاعلين اجتماعيين» قادرين على تشكيل نماذج ناجحة ومبدعة، متى ما توفرت لهم البيئة السليمة والدعم الأسري والمجتمعي. وأضافت أن هذه الهوية المركبة قد تنتج أبناء يمتلكون «ذكاء عاطفيًّا وثقافيًّا» أعلى، وقدرة على التعامل مع أكثر من لغة أو لهجة أو مرجعية ثقافية، وهو ما قد يشكل عنصر إثراء لا عنصر إرباك، إذا أحسن التعامل معه داخل الأسرة. وأكدت أن الخطر لا يكمن في التعدد الثقافي نفسه، بل في ضعف التنشئة أو غياب الحماية الاجتماعية أو انعدام التفاهم بين الوالدين.
نظرة المجتمع
وحول نظرة المجتمع، قالت الباحثة في علم الاجتماع دلال العلوي: إن هذه النظرة تغيرت بفعل تطور المجتمع وانفتاحه، وأصبح التقبل أكبر مما كان عليه سابقًا، خاصة عندما ينجح الزوجان في بناء أسرة متماسكة وإدماج أبنائهما في محيطهم الاجتماعي بطريقة طبيعية. وأضافت أن المجتمع لا يرفض دائمًا هذا الزواج من حيث المبدأ، لكنه قد يتفاعل سلبًا عندما يختار الزوجان الانعزال عن البيئة المحيطة أو عندما لا يبذلان جهدًا كافيًا في بناء الجسور مع الأسرة الكبيرة والمجتمع. وأشارت إلى أن المشكلات التي قد تظهر في الزواج من الخارج ليست مختلفة جذريًّا عن تلك التي قد تحدث حتى في الزواج من داخل السلطنة أو بين المحافظات المختلفة، حيث توجد أيضًا اختلافات في اللهجات والعادات والتوقعات، ما يعني أن معيار النجاح أو الفشل يبقى مرتبطًا بدرجة التفاهم والتكامل أكثر من ارتباطه بجنسية الطرف الآخر.
إيجابيات ومخاطر
ورأت أن للزواج العابر للحدود جملة من الإيجابيات والسلبيات التي لا بد من النظر إليها بواقعية. فمن الإيجابيات، بحسب طرحها، «توسيع رأس المال الثقافي للمجتمع»، وإنتاج أبناء أكثر قدرة على الانفتاح والتفاعل مع العالم، إضافة إلى بعض الجوانب التي قد ينظر إليها البعض باعتبارها تخفف من أعباء الزواج وتكاليفه. لكنها في المقابل لفتت إلى وجود تحديات واضحة، من أبرزها «فجوة التوقعات» بين الزوجين، و«غياب التجانس الثقافي» في بعض الحالات، و«ضعف شبكة السند العائلي» بسبب البعد الجغرافي، و«التحديات القانونية والإجرائية» التي قد تظهر في حال الانفصال أو النزاعات المتعلقة بالحضانة والإقامة، إلى جانب الضغوط التي قد يفرضها المحيط الاجتماعي إذا لم يكن هناك وعي كاف من الطرفين. وأكدت أن هذه المخرجات كلها لا تحكم عليها مسبقًا بالنجاح أو الفشل، لكنها تعتمد على وعي الزوجين وقدرتهما على إدارة الفروقات منذ البداية.
الانفتاح وجيل اليوم
وأشارت إلى أن انفتاح الأجيال الجديدة على العالم عبر الابتعاث الخارجي ووسائل التواصل الاجتماعي لعب دورًا واضحًا في جعل هذا الزواج أكثر حضورًا في النقاشات والخيارات الفردية، خاصة لدى من باتوا أكثر تماسًا مع ثقافات أخرى أو أكثر تأثرًا بتجارب أقرانهم. وأضافت أن هذا الانفتاح لا ينبغي أن يفهم على أنه سبب وحيد، لكنه يظل عاملًا مؤثرًا في تشكيل الرغبات والخيارات، وفي تقليص المسافة الاجتماعية بين الأفراد والثقافات المختلفة. ولفتت إلى أن علم الاجتماع يتحدث هنا عن «المسافة الاجتماعية» التي تقلصت كثيرًا في العصر الحديث، حتى غدا ما كان يبدو بعيدًا في السابق أكثر قربًا وسهولة في التواصل والارتباط.
التعدد والامتداد
وفي قراءتها لبعض صور هذا الزواج، أوضحت دلال العلوي أن التحديات لا تختلف كثيرًا سواء كان المقبل على الزواج شابًّا في بداياته أو شخصًا متزوجًا يرغب في التعدد، لأن القضية في الحالتين ترتبط بوجود وعي وتنظيم اجتماعي وتشريعي يحد من الفوضى أو التوسع غير المدروس. وأشارت إلى أن بعض الأنماط قد تقود إلى امتداد هذا الخيار داخل العائلة الواحدة، بحيث يتكرر الزواج من الخارج على نطاق أوسع داخل الدائرة الأسرية، وهو ما يجعل المسألة تتجاوز الفرد أحيانًا إلى تحولات في البنية الاجتماعية للعائلة نفسها. ومن هنا شددت على أهمية وجود أطر تنظيمية وتوعوية تساعد على تقليل الآثار السلبية المحتملة، من دون مصادرة القرار أو تجاهل الواقع.
دور البحث الاجتماعي
وتوقفت عند الحاجة إلى مزيد من الدراسات الاجتماعية المتخصصة في هذا المجال، موضحة أن علم الاجتماع اليوم لم يعد يحظى بنفس الزخم البحثي العميق الذي كان يحظى به سابقًا، سواء في فرعه العائلي أو في الدراسات المتخصصة بالقضايا الاجتماعية المركبة، وهو ما يجعل الحاجة قائمة إلى دعم أكبر لهذا النوع من الأبحاث. وأضافت أن التحولات المتسارعة التي يعيشها المجتمع العُماني، ومنها هذا الموضوع، تستدعي قراءة علمية أعمق تساعد على فهم المجتمع من حولنا بعيدًا عن الانطباعات السريعة أو الآراء العامة غير المبنية على أسس معرفية.
توصيات اجتماعية
وفي ختام حديثها، طرحت الباحثة في علم الاجتماع دلال العلوي مجموعة من التوصيات التي رأت أنها ضرورية في التعامل مع الزواج العابر للحدود، وفي مقدمتها إنشاء «برامج إرشاد ثقافي متخصصة» تسبق الإقدام على الزواج، بحيث يتعرف المقبلون عليه إلى الإيجابيات والسلبيات والتحديات القانونية والاجتماعية والثقافية المتوقعة.
كما دعت إلى توفير «منصات توعوية قانونية واجتماعية رقمية» تسهل الوصول إلى المعرفة الصحيحة، وتعزز وعي المجتمع بأهمية «التقبل العقلاني» والابتعاد عن الأحكام المسبقة والعنصرية، مع احترام خصوصية الأسر الجديدة وترك مساحة لها لتبني تكاملها الثقافي الخاص. وأكدت كذلك أهمية الشفافية الكاملة بين الزوجين، وإدارة التوقعات مبكرًا، والاستثمار في بناء «هوية مرنة» للأبناء لا تطغى فيها ثقافة على أخرى، مع التشديد على أن الطرح السوسيولوجي لهذا الموضوع لا يدعو إلى الزواج من الخارج ولا يمنع منه، لكنه يحاول قراءته من منظور علم الاجتماع في ضوء الوعي المجتمعي والتحولات الراهنة.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


