الوصال ــ تناول يونس بن خصيب الحراصي الرئيس التنفيذي لشركة تبيان، خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال»، التحولات التي يشهدها القطاع العقاري في سلطنة عُمان، مؤكدًا أن ما يجري اليوم لم يعد مجرد إعلان عن مشروعات متفرقة أو أرقام استثمارية كبيرة، وإنما يعكس رؤية جديدة للتطوير العمراني تقوم على الانتقال من الأنماط التقليدية إلى أنماط حضرية متكاملة. وأشار إلى أن مشروع مدينة السلطان هيثم مثل بداية فعلية لهذا التحول، لأنه نقل فكرة التطوير العقاري من تلبية طلبات فردية متفرقة إلى تهيئة مدن مكتملة الأركان والخدمات، تتاح فيها فرص التطوير للقطاع الخاص ضمن منظومة متجانسة ومترابطة. وأضاف أن التوجه الحالي يقوم على إعداد مساحات كبيرة ومدن متكاملة بخدماتها ومرافقها، ثم إتاحة الفرصة لمطورين مختلفين لتطويرها وتنفيذها، بما يلبي احتياجات المواطنين والمقيمين، إلى جانب فتح المجال للاستثمار العقاري لغير العُمانيين بصورة أوسع خارج إطار المجمعات السياحية المتكاملة الذي كان سائدًا في السابق.

من بيع الوحدات إلى تقديم نمط حياة

وأوضح الحراصي أن الحديث عن «مدن المستقبل» و«مسقط الكبرى» ما يزال في طور التدرج في الاستيعاب المجتمعي، وهو أمر طبيعي في رأيه، لأن هذه المفاهيم جديدة وتحتاج إلى وقت لتترسخ. وأضاف أن ما يُطرح اليوم في المشروعات الحديثة لا يقتصر على بيع شقة أو فيلا، وإنما يقوم على تقديم نمط حياة مختلف، يتضمن منتزهات، ومسارات للمشي والدراجات، وخدمات قريبة من الساكن، وربما أماكن عمل ومراكز خدمية ضمن النطاق نفسه. وأشار إلى أن هذا التحول لا يتعلق فقط بالمنتج العقاري، وإنما بعلاقة الفرد بالمكان، وطريقة عيشه داخله، وفهمه لفكرة المدينة المتكاملة. كما لفت إلى أن هذه الأنماط الجديدة، مثل مفهوم جمعيات الملاك أو السكن ضمن بيئات متنوعة، تحتاج إلى وقت حتى تُفهم وتُستوعب على نطاق أوسع، كما حدث سابقًا مع المشاريع الحديثة التي احتاج الناس إلى التدرج في التعرف على فلسفتها ومزاياها.

المدينة الذكية من منظور عملي

وفي حديثه عن مفهوم «المدن الذكية»، رأى الحراصي أن النقاش حول هذا المصطلح لا ينبغي أن يُختزل في صور التكنولوجيا المبهرة أو الروبوتات، وإنما يجب أن يُفهم من زاوية قدرته على تلبية احتياجات الساكنين وتحقيق الاستدامة في نمط حياتهم. وأضاف أن المدينة الذكية، في جوهرها، هي التي توفر الخدمات الأساسية بالقرب من الإنسان، مثل المدرسة، والعمل، ومكان التسوق، والمرافق التي يحتاج إليها يوميًا، بما يقلل من الحاجة إلى استخدام السيارة، ويخفف من الوقت الضائع في التنقل، ويرفع من استقرار الأسرة وجودة الحياة فيها. ولفت إلى أن هذه التصورات، على حداثة المصطلح، ليست بعيدة تمامًا عن التجربة العمرانية التقليدية العُمانية، لأن الحارات القديمة كانت، بطريقتها الخاصة، قائمة على قرب البيت من السوق والمزرعة والخدمات، بما يحقق قدرًا من الاكتفاء والاتصال المباشر بين الإنسان ومحيطه.

تكامل الأطراف في السلسلة العقارية

وأكد الحراصي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن إنجاح هذا الحراك العقاري يتطلب تكامل الأدوار بين أطراف عديدة، وفي مقدمتها الجهات الخدمية والبلديات والقطاع المصرفي، موضحًا أن المصارف مطالبة اليوم بلعب دور أكبر وأكثر ابتكارًا في تمويل المشترين وتمكينهم من دخول السوق العقاري الجديد. وأشار إلى أن هذا التمويل لا ينبغي أن يُنظر إليه من زاوية تجارية فقط، وإنما من زاوية وطنية أيضًا، بوصفه جزءًا من تمكين هذه الرؤية العمرانية الجديدة. وأضاف أن من بين الملفات التي تستحق إعادة النظر أيضًا ضريبة القيمة المضافة على البيع الأول للعقار السكني، إذ تُفرض حاليًا بنسبة 5 بالمائة، وهي نسبة غير مستردة على المشتري النهائي، ما يجعلها كلفة إضافية مباشرة ترفع من تكلفة التملك. واستشهد بمثال شقة أو منزل قيمته 100 ألف ريال عُماني، حيث يرتفع السعر إلى 105 آلاف ريال بمجرد إضافة الضريبة، وهو ما يراه عبئًا على المشتري الأول، خصوصًا مع كون السكن حاجة أساسية تشبه في أهميتها المواد الرئيسية التي تطبق عليها نسبة صفرية. وأشار إلى أن بعض الأسواق الخليجية تطبق بالفعل نسبة صفرية على البيع الأول للعقار السكني، معتبرًا أن تبني هذا التوجه في عُمان من شأنه أن يسهل التملك، ويزيد من جاذبية السوق، سواء للمواطن أو للمستثمر الخليجي والأجنبي.

ما بعد البيع والتوسع السريع

وأوضح الحراصي أن القضايا العقارية لا تنتهي عند مرحلة البيع أو الشراء، وإنما تبدأ بعدها مرحلة لا تقل أهمية تتعلق بـإدارة العقارات وتنظيم ما بعد التملك، سواء في تسجيل عقود الإيجار، أو فض النزاعات، أو تفعيل جمعيات الملاك، أو معالجة الحالات المرتبطة بالورثة، أو المتوفين، أو الشركاء، أو غيرها من الحالات التشغيلية التي ستزداد مع ازدياد أعداد الوحدات السكنية في السوق. وأشار إلى أن الحاجة إلى هذه الخدمات قد لا تبدو حادة الآن، لكنها ستصبح أكثر إلحاحًا مع انتقال السوق من مئات الوحدات إلى آلاف الوحدات التي ستدخل مرحلة التسليم في السنوات المقبلة. ومن هنا، طرح أهمية التفكير في إنشاء هيئة مستقلة للتنظيم العقاري تكون معنية بهذه الجوانب التشغيلية والتنظيمية، على غرار ما هو معمول به في كثير من الأسواق، بحيث تتولى معالجة هذه التفاصيل اليومية بسرعة وكفاءة، وتدعم استقرار السوق وتنظيمه.

السوق العُماني وجاذبيته الإقليمية

ورأى الحراصي أن السوق العقاري العُماني يتمتع بجاذبية واضحة على المستوى الخليجي والأجنبي، لكونه ما يزال سوقًا ناميًا يملك إمكانيات كبيرة للنمو، وهو ما يفسر اهتمام المستثمرين الحاليين به وإيمانهم بالمقومات التي تمتلكها السلطنة. وأضاف أن النظر إلى القطاع العقاري يجب ألا يكون بمعزل عن أثره الأوسع على الاقتصاد، لأن المشروعات التي تتجاوز قيمتها مئات الملايين أو المليارات لا تقتصر آثارها على المطور أو المشتري فقط، وإنما تمتد إلى سلسلة إمداد واسعة تشمل المقاولين، وموردي مواد البناء، والنقل، واللوجستيات، والخدمات، والوظائف، وبناء القدرات، ونقل الخبرات، ما يجعل من القطاع العقاري محركًا اقتصاديًّا واسع الأثر. وأشار إلى أن وجود هذا النوع من التطوير العمراني المنظم قد يشجع كذلك مستثمرين آخرين كانوا مترددين في دخول السوق، انتظارًا لظهور شكل أوضح للمشهد العقاري في السلطنة.

عُمان كوجهة آمنة وجاذبة

وتحدث الحراصي أيضًا عن أثر الظروف الجيوسياسية في المنطقة، مشيرًا إلى أن سلطنة عُمان أثبتت مستوى من الثبات والأمان يجعلها وجهة أكثر جاذبية في مثل هذه الظروف. لكنه أكد في المقابل أن استثمار هذه الميزة يحتاج إلى سرعة ومرونة في اتخاذ المعالجات الداعمة للسوق، والمحافظة على الوتيرة الحالية للحراك العقاري، إلى جانب بناء شراكة فاعلة مع وزارة الإسكان والتخطيط العمراني وبقية الجهات ذات العلاقة، حتى تتمكن عُمان من ترجمة هذه الميزة إلى جذب فعلي للاستثمارات والأفراد. ولفت إلى أن بعض الأسواق الإقليمية بادرت باتخاذ إجراءات سريعة تحفيزية للحفاظ على جاذبيتها في ظل التوترات القائمة، وهو ما يجعل المرونة والقدرة على قراءة السوق والاستجابة له عنصرًا مهمًّا في المرحلة المقبلة.

الفرص في العقار السياحي

وفي تناوله للفرص العقارية المرتبطة بالقطاع السياحي، أوضح الحراصي أن سلطنة عُمان تمتلك تنوعًا جغرافيًّا نادرًا يمنحها قدرة على الاحتفاظ بموسم سياحي ممتد على مدار العام، يتوزع بين مسقط، ومسندم، وظفار، والشرقية، وغيرها من المحافظات، ما يفتح المجال أمام مشروعات عقارية وسياحية متنوعة. وأشار إلى أن محافظة ظفار، على سبيل المثال، تمتلك مقومات يصعب توفرها في كثير من أسواق المنطقة، سواء من حيث امتداد الموسم، أو تنوع الزوار الذين يمكن استقطابهم في فترات مختلفة. وأضاف أن ذلك يفتح الباب أمام المستثمرين المتخصصين في هذا النوع من المشاريع للدخول والاستفادة من الفرص المطروحة، في ظل ما توفره السلطنة من تسهيلات أكبر في التملك وإجراءات أكثر انفتاحًا لدخول المستثمرين. وشدد على أن سلطنة عمان اليوم تقدم فرصًا كثيرة وترحب بالخبرات المتخصصة، ما يجعل المجال مهيأً لمزيد من النمو في العقار السياحي والاستثماري إذا جرى الترويج له بشكل أوسع وأكثر فاعلية.

رؤية تحتاج إلى استمرارية

وفي ختام حديثه، خلص الرئيس التنفيذي لشركة تبيان يونس الحراصي إلى أن القطاع العقاري في سلطنة عُمان يعيش مرحلة انتقالية مهمة، تتطلب الاستمرارية في الشرح والتوعية والترويج، إلى جانب التكامل المؤسسي والتشريعي والتمويلي لضمان نجاح هذه الرؤية. وأكد أن المطلوب اليوم ليس فقط بناء مشاريع أو مدن جديدة، وإنما بناء بيئة عمرانية أكثر اتساقًا واستدامة وجاذبية، تجعل من التطوير العمراني في سلطنة عمان جزءًا من مشروع أوسع لتحسين جودة الحياة، وتعزيز الاقتصاد، ورفع جاذبية عُمان إقليميًّا ودوليًّا.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو