م. هيثم الحسيني لـ«الوصال»: ما نراه اليوم من تغير عمراني في مسقط وصلالة وبقية المحافظات هو بداية لمسار تخطيطي أكثر وضوحًا وتوازنًا
منتدى الوصال
الوصال ــ قال المهندس هيثم بن ناصر الحسيني، مدير مشروع قانون التخطيط العمراني، خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال»، إن سلطنة عُمان تحتاج إلى «استراتيجية وطنية للتنمية العمرانية» لأنها تمثل الأداة الأساسية للتخطيط العمراني على المستوى الوطني، أي على مستوى الدولة ككل، موضحًا أن قانون التخطيط العمراني عرّف هذه الاستراتيجية ثم خصص لها فصلًا كاملًا يبين كيفية التخطيط العمراني من خلال «مخططات مكانية» و«مخططات عمرانية»، إلى جانب تحديد ما الذي ينبغي أن تحققه هذه الاستراتيجية، وكيفية تحديثها، ومكونات المخططات المكانية على المستوى الوطني. وأشار إلى أن المادة التاسعة من القانون تتحدث عن كيفية التخطيط العمراني، والمادة العاشرة تجيب عن السؤال المتعلق بما يجب أن تحققه الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية، فيما تناولت المادة الحادية عشرة موضوع تحديثها واستحداثها، ونص القانون على أن يتم تحديثها كل خمس سنوات، بينما خصصت المادة الثانية عشرة لبيان مكونات المخططات المكانية على المستوى الوطني. وأضاف أن هذه المنظومة تجعل التخطيط العمراني في سلطنة عُمان أكثر وضوحًا من حيث الأدوات والمراحل والمخرجات.
منظومة هرمية
وأوضح الحسيني أن التخطيط العمراني الحديث يقوم على نظام هرمي متكامل، يبدأ من المستوى الوطني، ثم يهبط إلى مستوى المحافظات، ثم إلى المخططات الهيكلية والتفصيلية، بحيث لا يتعارض أي مستوى مع المستوى الذي يعلوه، بل يكون منسجمًا معه ومبنيًّا على مخرجاته. وذكر أن الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية على مستوى الدولة تحدد مناطق التنمية الكبرى، مثل المطارات والموانئ والمناطق الصناعية، ثم تنتقل هذه التوجهات إلى مستوى المحافظات، التي يجب أن تتواءم مخططاتها مع تلك المخرجات. واستشهد بمثال مفاده أنه إذا حددت الاستراتيجية الوطنية أن يكون مطار مسقط في موقع معين، فإن المخططات العمرانية لمحافظة مسقط ينبغي أن تتوافق مع ذلك وألا تتعارض معه، لأن الهدف من هذا النظام هو تحقيق الأهداف العليا على مستوى الدولة وعدم ترك التخطيط يسير بصورة متفرقة أو غير مترابطة.
المخطط الهيكلي والتفصيلي
وبيّن الحسيني ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن المخطط الهيكلي هو «مخطط توجيهي» يوضح أين ستكون العمارة والتنمية في المستقبل، بينما المخطط التفصيلي هو «المخطط التنفيذي» الذي يجيب عن سؤال: كيف سيتم البناء في هذه المنطقة ومتى؟ وأضاف أن المادة التاسعة عشرة توضح أن المخطط الهيكلي يحدد المناطق المخصصة للتنمية العمرانية المستقبلية ومساحاتها، ونطاق استخدام الأراضي، والاشتراطات التخطيطية، ومسارات البنية الأساسية وخطوط النقل. وشرح ذلك بمثال يتعلق بمدينة السلطان هيثم، حيث يحدد المخطط الهيكلي موقع المشروع ونطاقه العام والاشتراطات المتعلقة به، بينما يأتي المخطط التفصيلي ليبين بصورة أدق تفاصيل البناء داخل هذه المنطقة. وأكد أن هذا التفريق يساعد على ضبط المشروعات وضمان وجود رؤية شاملة وأخرى تنفيذية أكثر تفصيلًا ودقة.
دور المحافظات
وأشار الحسيني إلى أن القانون أعطى المحافظات دورًا مهمًّا في التخطيط، من خلال إلزام الوزارة بإشراك المحافظ في جميع مراحل إعداد وتحديث الاستراتيجية العمرانية للمحافظة، وكذلك في المخططات الهيكلية والتفصيلية. وأوضح أن المحافظ بحكم قربه من المجتمع المحلي ومن الخصائص الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية لمحافظته، يعد الأقدر على معرفة أولويات التنمية في تلك المنطقة، وما تحتاج إليه من خدمات ومشروعات وتوجيهات عمرانية. وأضاف أن أخذ رأي المحافظ، إلى جانب الجهات المعنية الأخرى، سيؤدي إلى رفع كفاءة التخطيط، لأنه يجعل المخططات نابعة من المجتمع وسلم أولوياته، ويساعد على التنفيذ بصورة أكثر سلاسة، خاصة في ظل اتساع الرقعة الجغرافية لسلطنة عُمان واختلاف المقومات من محافظة إلى أخرى، فمسقط مثلًا تختلف عن محافظات الداخل أو الجنوب أو الشمال من حيث الطبيعة والاحتياجات.
التكامل أساس الحل
وتحدث الحسيني بإسهاب عن مفهوم «التكامل» الذي يقوم عليه القانون، مبينًا أن كثيرًا من المشكلات التي يعانيها الواقع العمراني، مثل الزحام المروري، أو تراجع جدوى بعض الأنشطة التجارية، أو عدم ملاءمة بعض المناطق للتوسع العمراني، تعود في الأصل إلى غياب التكامل بين الشارع والمبنى والخدمة والاستخدام. وشرح ذلك من خلال مثال الزحام، موضحًا أن الزحام ليس المشكلة في حد ذاته، لكنه نتيجة لمشكلة أعمق، تتمثل في عدم التوافق بين قدرة الشارع وحجم الاستخدامات الواقعة عليه. وقال إن الشارع قد يكون مصممًا ليستوعب عددًا معينًا من السيارات، فإذا تحولت أرض سكنية إلى عمارة متعددة الوحدات أو إلى استعمال مختلف يرفع عدد المستخدمين بشكل كبير، من دون أن تتغير سعة الطريق أو البنية الأساسية، فإن النتيجة الطبيعية ستكون ازدحامًا واختناقات. وأضاف أن القانون يلزم بأن تكون هناك دراسة لهذه العلاقات المتبادلة بين مساحة البناء، ونوع الاستخدام، وعدد السكان، وحجم المرور، وكفاءة البنية الأساسية، حتى لا يحدث هذا الخلل.
الشارع ليس وحده المشكلة
وضرب الحسيني مثالًا آخر يتعلق بالمطبات المرورية، موضحًا أن البعض قد يرى المطب هو سبب الزحام، لكن بالنظر بصورة أعمق يتبين أن السبب الحقيقي هو أن الشارع صمم لسرعة أو كثافة معينة، ثم وضعت بجواره استخدامات أو مبانٍ أو مداخل تتطلب تقليل السرعة أو كثرة التوقف، فظهر المطب بوصفه نتيجة لخلل سابق في التخطيط، لا باعتباره أصل المشكلة. وقال إن القانون يسعى إلى معالجة هذه الجذور عبر ربط كل عنصر تخطيطي بالعنصر الآخر، بحيث لا تنشأ حلول إسعافية لاحقة نتيجة إغفال التخطيط الأساسي. وأضاف أن التخطيط العمراني يجب أن يقوم على أرقام وحقائق ودراسات، لا على انطباعات أو أذواق عامة، لأن أي تغير في رقم ما، مثل عدد الوحدات أو مساحة البناء أو عدد السيارات أو قدرة الشبكات، سيغير النتائج المترتبة على بقية العناصر.
المدن والمشروعات القادمة
وأكد الحسيني خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن هذا التوجه سيظهر أثره تدريجيًّا في عدد من المشروعات والمخططات الجارية في سلطنة عُمان، مشيرًا إلى «المخطط الهيكلي لصلالة» و«مدينة صلالة المستقبلية» بوصفهما مثالين على مستويين مختلفين من التخطيط، أحدهما هيكلي والآخر تفصيلي. كما أشار إلى «مسقط الكبرى» بصفتها مخططًا على مستوى واسع، وإلى «مدينة السلطان هيثم» بوصفها مشروعًا تفصيليًّا على مستوى أدق. وأضاف أن الوزارة تعمل كذلك على مخططات هيكلية لعدد من الولايات المركزية في المحافظات، مثل صحار والرستاق ونزوى وصلالة، باعتبارها مدنًا محورية أو بوابات وطنية في الاستراتيجية العمرانية. وأوضح أن هذه المخططات ستسهم في إعادة تشكيل النمو العمراني بطريقة مدروسة ومتدرجة، وأن التغيير الذي يراه الناس في بعض المدن اليوم، مثل صلالة أو مسقط، هو جزء من هذا المسار التخطيطي المستمر.
التنفيذ لا النص وحده
وشدد الحسيني على أن القانون بمفرده لا يحل المشكلات، لكنه يوفر الإطار المنظم الذي يجعل الحلول ممكنة عند التطبيق. وقال إن المشكلات لا تختفي لمجرد صدور النص، لكن وجود قانون واضح يحدد الأدوات والمستويات والإجراءات والاختصاصات والعقوبات، يفتح الطريق لمعالجة أفضل وأكثر انتظامًا. وأضاف أن الوزارة أعدت هذا القانون بعد شراكات ودراسات ومراجعة تجارب دولية وعربية متعددة، بما في ذلك التعاون مع الأمم المتحدة ودراسة قوانين من دول مثل سنغافورة وأستراليا وألمانيا والنمسا وسويسرا، إضافة إلى المغرب ومصر واليمن، ثم اختيار ما يلائم البيئة العُمانية واحتياجاتها، من دون نقل تجارب الآخرين بصورة حرفية. وأكد أن هذا الجهد يراد منه بناء قانون يخدم خصوصية سلطنة عُمان وفي الوقت نفسه يواكب المعايير الحديثة في التخطيط العمراني.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:
