الوصال ــ تناول المحامي والمستشار القانوني موسى العامري، مفهوم «المسؤولية العشرية» في قطاع البناء والتشييد، موضحًا أنها تمثل ضمانًا قانونيًّا يلتزم بموجبه «المقاول» و«الاستشاري» متضامنين عن كل ما يحدث خلال عشر سنوات من تهدم كلي أو جزئي في المباني أو المنشآت الثابتة التي قاما بتشييدها أو الإشراف عليها، حتى لو كان سبب الضرر يعود إلى عيب في الأرض ذاتها أو إلى موافقة صاحب العمل على إقامة منشأة معيبة.

وأكد خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة»، أن هذا الضمان مصدره «القانون» لا العقد، ما يعني أنه من القواعد الآمرة التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو الإعفاء منها حتى برضا الطرفين، لأنها تتصل بالنظام العام وتهدف إلى حماية الأرواح والممتلكات وضمان سلامة البناء ومتانته.

ضمان قانوني

وأوضح العامري أن المشرع كان حريصًا على أن تبقى المنشآت الثابتة صالحة وآمنة لفترات طويلة، ولذلك نص على المسؤولية العشرية في قانون المعاملات المدنية، بحيث تشمل كل ما يوجد في المباني والمنشآت من عيوب يترتب عليها تهديد «متانة البناء» و«سلامته». وأضاف أن المقاول والاستشاري لا يمكنهما التذرع لاحقًا بأن العيب سببه الأرض أو أن المالك وافق على إقامة المنشأة رغم وجود الإشكال، لأن القانون يلزمهما ابتداءً بفحص التربة والتأكد من صلاحية الأرض للبناء، واتخاذ ما يلزم من حلول فنية وهندسية قبل التنفيذ، وإلا بقيت المسؤولية قائمة في مواجهتهما.

لا إعفاء من المسؤولية

وأشار العامري إلى أن بعض الملاك قد يظنون أن الاتفاق مع المقاول أو الاستشاري على إعفائه من أي مسؤولية مستقبلية يمكن أن يحمي الطرف الآخر من المطالبة لاحقًا، لكنه شدد على أن هذا الاعتقاد غير صحيح قانونًا، لأن المسؤولية العشرية ليست مسألة تعاقدية قابلة للتنازل، لكنها التزام فرضه القانون مباشرة. وأضاف أن أي اتفاق على إسقاط هذه المسؤولية أو الحد منها لا يعتد به، لأن النص القانوني جاء بصيغة آمرة وواجبة التطبيق، حمايةً لمصالح تتجاوز إرادة الأطراف الخاصة.

العيوب المشمولة

وبيّن العامري أن العيوب التي تدخل ضمن نطاق المسؤولية العشرية هي تلك التي تمس العناصر الأساسية للبناء وتهدد استقراره، مثل ما يتعلق بـ«الأساسات» و«القواعد» و«الأعمدة» و«الجسور» و«الأسقف» وسائر المكونات التي يقوم عليها البناء. وأكد أن أي خلل يهدد سلامة المبنى أو يجعله غير صالح للسكن أو يعرضه لخطر التهدم يدخل في نطاق هذا الضمان، سواء ظهر بعد سنة أو سنتين أو حتى قبل انقضاء السنوات العشر، متى ثبت أن العيب جوهري ويمس سلامة المنشأة.

متحققة قضائيًّا

وفي ما يتعلق بمدى تحقق هذا الضمان على أرض الواقع، أكد العامري أن المحاكم أصدرت بالفعل أحكامًا عديدة بإلزام المقاولين والاستشاريين بإصلاح العيوب أو إعادة البناء أو دفع قيمة إعادة التشييد على نفقتهم، متى ثبت وجود عيب جسيم يهدد سلامة المبنى. وأشار إلى أن بعض المقاولين قد يحاولون التنصل بحجة أنهم تقاضوا فقط قيمة «شغل اليد» أو أن المالك هو من اشترى المواد، كما أن بعض الاستشاريين قد يدفعون بأنهم كانوا يتقاضون مقابل كل زيارة أو مجرد إشراف محدود، غير أن هذه الدفوع لا تنفي المسؤولية متى ثبتت صلتهم الفعلية بالبناء والتصميم أو الإشراف. وأضاف أن القضاء قد يلزمهم أحيانًا بمبالغ تفوق ما حصلوا عليه بكثير، لأن التعويض يحتسب وفق تكلفة إعادة البناء أو الإصلاح في قيمتها السوقية وقت الحكم، لا وفق ما تقاضاه المقاول عند التنفيذ.

كيف يطالب المالك؟

وأوضح العامري أن المالك المتضرر يستطيع أن يبدأ بإجراءات ودية من خلال الاستعانة بخبير فني مختص لإعداد تقرير يثبت وجود العيب وخطورته، ثم مخاطبة المقاول والاستشاري مباشرة ومحاولة الوصول إلى حل توافقي، سواء بإصلاح الضرر أو التعويض عنه. وإذا لم تنجح هذه المساعي، فإن الطريق القانوني يتمثل في «رفع دعوى قضائية» أمام المحكمة المختصة، للمطالبة بإلزام المقاول والاستشاري بما يترتب عليهما قانونًا. وأضاف أن وجود تقرير فني مسبق يعزز موقف المالك، لكنه ليس شرطًا حصريًّا، لأن المحكمة قد تحيل النزاع إلى خبرة مختصة أثناء نظر الدعوى لتحديد طبيعة العيب ومدى انطباق المسؤولية العشرية عليه.

اختيار المقاول

وشدد العامري على أن كثيرًا من المشكلات تبدأ من لحظة اختيار المقاول أو الاستشاري، داعيًا الملاك إلى عدم البحث فقط عن السعر الأرخص، لأن ذلك قد يقود إلى نتائج باهظة لاحقًا. وأشار إلى أهمية اختيار مقاول واستشاري معروفين، قائمين فعليًّا في السوق، ويتمتعان بسمعة مهنية واستقرار قانوني، لأن بعض المشكلات تظهر لاحقًا مع شركات أو مؤسسات تختفي أو تصفى أو يتعذر الوصول إلى مسؤوليها. ولفت إلى أن المالك عليه أن يختار من يباشر العمل بنفسه أو من خلال جهة موثوقة ذات كفاءة ونزاهة، وأن يتأكد من أن من ينفذ المشروع يتعامل معه باعتباره «بيت عمر» لا مجرد عمل تجاري سريع.

التوثيق مهم

كما لفت العامري إلى أن من الأخطاء المتكررة في النزاعات المرتبطة بالبناء اعتماد الأطراف على الاتفاقات الشفهية عند طلب تغييرات أثناء التنفيذ، كتحريك باب أو تعديل موضع عمود أو تغيير بعض العناصر. وأكد أن هذه المسائل يجب أن توثق كتابة عبر «ملاحق للعقد» أو مراسلات إلكترونية أو ورقية واضحة، مع إدخال الاستشاري في أي تغيير مقترح، لأن تنفيذ تعديلات من هذا النوع من دون توثيق أو من دون دراسة فنية قد يهدد سلامة البناء ويصعب لاحقًا تحديد المسؤولية عند النزاع.

كما أشار إلى أهمية احتفاظ المقاول والاستشاري بكل المستندات المتعلقة بمواد البناء والخرسانة والتوريد والفحوصات الفنية، حتى يمكن الرجوع إلى الموردين أو الشركات المختصة إذا تبين أن الخلل مرتبط بجودة المواد نفسها.

تقاضٍ أسرع

وعن سرعة التقاضي، أوضح العامري أن محكمة التجارة والاستثمار أسهمت في تسريع وتيرة النظر في مثل هذه الدعاوى، حيث أصبحت الإجراءات أكثر اختصارًا من السابق، من خلال تحديد مدد أقصر للرد والتعقيب والاستئناف، بما يسمح بالوصول إلى حكم خلال فترة أقصر نسبيًّا إذا كانت الدعوى جاهزة أو إذا استكملت الخبرة الفنية المطلوبة. وأضاف أن هذا التطور الإجرائي يساعد المتضررين على الوصول إلى حقوقهم بصورة أسرع، خاصة في القضايا التي تتصل بسلامة المباني وخطورة استمرار العيب.

بيت العمر

واختتم المحامي والمستشار القانوني موسى العامري حديثه بالتشديد على أن التوفير غير المدروس في بناء المنازل أو اختيار الأقل كلفة من دون نظر إلى الكفاءة والمهنية قد ينقلب إلى خسارة كبيرة، لأن من «يرخص بعمره» قد يجد نفسه بعد سنة أو سنتين أمام بيت مهدد بالهدم أو مليء بالعيوب الجسيمة. وأكد أن المسؤولية العشرية تمثل ضمانة مهمة، لكنها لا تغني عن حسن الاختيار، ولا عن التوثيق، ولا عن المتابعة الدقيقة خلال مراحل البناء، لأن الوقاية في هذا النوع من المشروعات تظل أقل كلفة بكثير من العلاج بعد وقوع الضرر.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو