الوصال ــ تحدث ناصر بن أحمد الزكواني، الباحث القانوني بدائرة القوانين والتشريعات العقارية، خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال»، عن أهمية صدور قانون التخطيط العمراني في هذه المرحلة ترتبط بعدة عوامل رئيسية، في مقدمتها إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة والتوجيهات السامية التي عدلت مسمى وزارة الإسكان إلى «وزارة الإسكان والتخطيط العمراني» بموجب المرسوم السلطاني رقم «93/2020»، وهو ما أسند إلى الوزارة مسؤولية التخطيط، وجعل وجود إطار تشريعي ينظم العملية التخطيطية أمرًا ضروريًّا. وأضاف أن سلطنة عُمان أبرمت أيضًا اتفاقيات دولية في مجالات تتصل بالتخطيط العمراني والبيئة وإعداد المخططات، فضلًا عن أن «رؤية عُمان 2040» تستهدف حوكمة هذا القطاع، ولذلك صدر قانون التخطيط العمراني رقم «58/2026» متضمنًا سبعة وثلاثين مادة موزعة على ستة فصول، تشمل الأحكام العامة، ومستويات التخطيط، والعقوبات، ووقف التعديات، وغير ذلك من الجوانب المنظمة لهذا المسار.

مرجع تشريعي موحد

وأوضح الزكواني أن العملية التخطيطية في السابق لم تكن تستند إلى قانون موحد بالمعنى الدقيق، لكنها كانت تعتمد على أوامر سامية وقرارات وزارية وقرارات إدارية متفرقة، وهو ما كان يترك فجوة تنظيمية من ناحية المرجعية الشاملة. وقال إن صدور هذا القانون وفر «مرجعًا تشريعيًّا موحدًا» يجمع الجوانب الفنية والقانونية والتشريعية والهندسية في وثيقة واحدة، وهو ما يلبي الطموحات المستقبلية لسلطنة عُمان، لأن أي دولة تسعى إلى التنمية المتقدمة تحتاج إلى تخطيط يقود هذا النمو وينظمه. وأضاف أن التخطيط هو القائد الحقيقي لأي تنمية، وأن الدول المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بوجود قوانين تخطيطية مستقرة ومنظمة عبر فترات زمنية طويلة، ولذلك فإن نجاح الاقتصاد يرتبط إلى حد كبير بوجود تخطيط سليم وواضح.

مستويات التخطيط

وبيّن الزكواني أن القانون الجديد لم يكتف بالمستويين المعروفين سابقًا، أي المستوى الوطني ومستوى المحافظات، لكنه أضاف مستويين آخرين هما «المخططات الهيكلية» و«المخططات التفصيلية»، فأصبحت المنظومة تتألف من أربعة مستويات مترابطة. وأوضح أن هذا التدرج يضمن وجود ترابط بين المخطط الوطني ومخطط المحافظة والمخطط الهيكلي والمخطط التفصيلي، بحيث لا يحدث أي تعارض أو تداخل كما كان يحصل في بعض الحالات في السابق، وإنما تصبح كل مرحلة مكملة للأخرى. وأضاف أن إشراك المحافظات، ووزارة النقل، وهيئة البيئة، ووزارة الدفاع، والجهات الأخرى ذات العلاقة، في إعداد هذه المخططات، سيجعلها أكثر شمولًا وأقرب إلى الواقع، ويمنع كثيرًا من الإشكالات التي كانت تظهر نتيجة العمل المتفرق أو غياب المرجعية المشتركة.

اللامركزية

وأكد الزكواني أن من الجوانب المهمة في القانون اتجاهه نحو «اللامركزية» في التخطيط، من خلال منح المحافظات دورًا أكبر في إعداد الاستراتيجيات والمخططات المرتبطة بها. وأشار إلى أن المحافظ والمجالس البلدية بحكم قربهم من المجتمع المحلي واطلاعهم على طبيعة محافظاتهم، سيكونون أكثر قدرة على تحديد الأولويات، والمناطق ذات الحركة الاقتصادية الأعلى، والمناطق التي تحتاج إلى تنمية عمرانية أو مخططات هيكلية أو تفصيلية. وأضاف أن إشراك المحافظات في هذه العملية سيساعد على أن تكون المخططات نابعة من المجتمع نفسه، وهو ما يسهل تنفيذها ويجعل القانون أكثر فاعلية على أرض الواقع.

العقوبات وردع التعديات

وفي الجانب المتعلق بحماية المخططات، أوضح الزكواني أن القانون نص بوضوح على العقوبات المفروضة على من يعتدي على المخططات الهيكلية أو التفصيلية المعتمدة. وذكر أن المادة «35» تنص على السجن مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن «500 ريال عُماني» ولا تزيد على «5000 ريال عُماني»، لكل من يرتكب تعديًا على هذه المخططات. وأضاف أن صور التعدي متعددة، من بينها الحيازات غير القانونية، والبناء في مجاري الأودية، وتغيير الاستعمالات على نحو يخالف ما هو معتمد. وأكد أن البلدية المختصة تتولى وقف التعدي أولًا، ثم يحال الأمر إلى الجهات القضائية المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية. كما أشار إلى أن القانون أتاح تحديد بعض الموظفين بصفة الضبطية القضائية، بالتنسيق مع وزارة العدل والشؤون القانونية والوزارة المختصة، لتمكينهم من رصد هذه التعديات والتعامل معها وفق القانون.

أثر مباشر على المواطن

وأوضح الزكواني أن القانون في جوهره موجه إلى الإنسان والمجتمع، وأن أثره المباشر سيظهر في معالجة كثير من الإشكالات التي ترتبط بحياة المواطن اليومية، مثل التداخل بين الاستخدامات السكنية والتجارية، أو وجود مناطق تجارية غير نشطة بسبب سوء التخطيط والعشوائية السابقة. وقال إن المواطن كان في بعض الحالات ينفق مبالغ كبيرة على إنشاء محلات أو مشروعات في مواقع لا تتمتع بالحركة أو الخدمات اللازمة، بسبب غياب التنظيم التخطيطي الدقيق، في حين أن وجود مخططات هيكلية وتفصيلية معتمدة سيسهم في رفع القيمة الاستثمارية للأراضي الواقعة داخلها، بسبب قربها من الخدمات والبنية الأساسية المتكاملة، مثل المساجد والحدائق والمرافق والشبكات. وأضاف أن النتيجة المتوقعة على المدى الأبعد هي ظهور مدن أكثر تكاملًا وتنظيمًا، وتحسين نوعية الحياة والعيش الكريم للمواطن، مع انتقال تدريجي من التوزيع في مناطق بعيدة عن الخدمات إلى مخططات أكثر اكتمالًا وتوازنًا.

تغيير الاستعمالات

وتناول الزكواني مسألة تغيير استعمالات الأراضي من زراعي إلى سكني أو تجاري أو غير ذلك، موضحًا أن القانون يتجه إلى تحديد «نطاقات» واضحة، مثل النطاقات الزراعية، والسكنية، ومناطق الطاقة المتجددة، وغيرها، بناءً على دراسات هندسية وتخطيطية شاملة، تشمل تحليل التربة وملاءمة الأرض ووظائفها المختلفة. وأضاف أن هذا التحديد يجعل المواطن أو المستثمر أكثر قدرة على معرفة وضع الأرض منذ البداية، وهل تقع داخل نطاق زراعي أو سكني أو استثماري. وأكد أن هذا الوضوح سيعزز جاذبية الاستثمار، لأن الخريطة ستكون أكثر شفافية وتنظيمًا، ولن تبقى الأمور رهينة العشوائية أو الاجتهاد الفردي. كما شدد على أن تغيير الاستعمال بصورة غير قانونية يعد مخالفة، سواء بتحويل أرض سكنية إلى تجارية أو زراعية إلى غير ذلك من دون اتباع الإجراءات المعتمدة، وهو ما يستوجب تدخل الجهات المختصة وتطبيق العقوبات المقررة.

المنفعة العامة والتعويض

وفي ما يتعلق بالأراضي التي قد تتأثر بالمخططات أو تقع ضمن مشروعات المنفعة العامة، أوضح الزكواني أن الوزارة تحرص عند إعداد المخططات على تجنب التأثير على الملكيات الخاصة قدر الإمكان، لكن إذا وقع التأثير في نطاق ضيق، فإن القانون أحال هذه الحالات إلى «قانون نزع الملكية للمنفعة العامة»، بما يضمن تعويضًا عادلًا للمواطن. وأضاف أن إثبات الملكيات والحيازات يخضع كذلك لمسارات قانونية معروفة، مثل إثبات الحيازة السابقة والوثائق المتعلقة بها، والنظر في المعطيات المتوافرة، بما يتيح للوزارة التعامل مع الحالات المستحقة بطريقة منصفة ومنظمة. وأكد أن الهدف ليس إلحاق الضرر بالمواطن، وإنما موازنة المنفعة العامة مع حماية الحقوق الخاصة وفق القانون.

تقليل القضايا

واختتم الزكواني حديثه بالتأكيد على أن تطبيق القانون الجديد سيسهم تدريجيًّا في تقليل كثير من القضايا والإشكالات التي كانت تثار حول تغيير الاستعمالات أو الحيازات أو العشوائية التخطيطية، لأن وجود مخططات واضحة ومتكاملة سيمنع كثيرًا من أسباب النزاع من الأساس. وأضاف أن القانون أُعد عبر مشاركة واسعة شملت نحو أربعين جهة حكومية، إضافة إلى مشاركة مجتمعية ومؤسسات مدنية، كما استند إلى اعتبارات مستمدة من الأبعاد الاجتماعية والبيئية والاقتصادية، بما يجعله أداة تنظيمية مهمة في المرحلة المقبلة لتحقيق التوازن بين التنمية، والبيئة، وجودة الحياة.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو