الوصال ــ أوضح سعادة عبدالله بن حمد الحارثي، عضو مجلس الشورى، خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة»، أن البيان العاجل الذي طُرح تحت قبة المجلس جاء بعد موافقة الأعضاء عليه، مشيرًا إلى أنه كُلّف بعرض هذا البيان ومناقشة ما يتصل به من أبعاد تربوية واجتماعية تتعلق بتوجه وزارة التعليم نحو تعيين معلمات في مدارس الذكور للحلقة الثانية من الصف الخامس إلى الثامن.

قدسية المعلمة ومكانتها

وتناول الحارثي في مستهل حديثه مكانة المعلمة في المجتمع، مبينًا أن المرأة والمعلمة تحظيان في سلطنة عُمان بالتقدير والاحترام، وأن مهنة التعليم لا يمكن النظر إليها باعتبارها وظيفة بالمعنى التقليدي، بل هي رسالة وأمانة ومسؤولية تتصل ببناء الأجيال وصناعة المجتمع. وأضاف أن المعلمة العُمانية أثبتت حضورها وكفاءتها عبر العقود، وأسهمت في مسيرة التنمية والتعليم إسهامًا مشهودًا، مؤكّدًا أن الحديث في هذا الموضوع لا ينطلق من تقليل لدورها أو انتقاص من مكانتها، وإنما من الحرص على خصوصيتها وعلى طبيعة البيئة المناسبة لمهنتها ورسالتها.

بيان عاجل بدوافع تربوية واجتماعية

وأشار إلى أن المجلس تقدم بهذا البيان العاجل انطلاقًا من مسؤوليته التربوية والاجتماعية، وحرصه على صون خصوصية المجتمع العُماني وقيمه الأصيلة، موضحًا أن التوجه محل النقاش يرتبط بتعيين معلمات في مدارس ذكور الحلقة الثانية، وأن المبررات التي طُرحت له تمثلت في الإحلال الوظيفي والاستقرار الإداري. ولفت إلى أن هذا الطرح يثير، من وجهة نظره، تساؤلات تتجاوز المعالجة الإدارية إلى اعتبارات أعمق ترتبط بطبيعة البيئة التعليمية وخصوصية المرحلة العمرية للطلبة الذكور من الصف الخامس إلى الثامن، وهي مرحلة وصفها بالحساسة، وتحتاج إلى مقاربة تراعي الجوانب التربوية والاجتماعية والثقافية للمجتمع العُماني.

التعليم بين سد الشواغر وبناء الشخصية

وبيّن الحارثي أن جوهر التساؤل لا يتصل فقط بسد الشواغر أو توزيع القوى العاملة، بل بما إذا كان التعليم سيُبنى على أسس تربوية راسخة تراعي خصوصية المجتمع وقيمه، وتنسجم مع طبيعة المراحل العمرية للطلبة. وأوضح أن التجربة التعليمية في سلطنة عُمان منذ بدايات النهضة وحتى الوصول إلى نظام التعليم الأساسي كانت حريصة على مراعاة خصائص المراحل الدراسية، إذ بقيت الحلقة الأولى من الصف الأول إلى الصف الرابع أقرب إلى هذا التصور بحكم صغر سن الطلبة واحتياجهم إلى عناية خاصة، بينما أظهرت الحلقة الثانية حساسية أكبر من حيث طبيعة الطلاب الذكور واحتياجاتهم التربوية والسلوكية. وأضاف، مستندًا إلى خبرته السابقة في المجال التربوي، أن هذه المرحلة تستلزم انسجامًا خاصًّا بين المعلم والطلبة الذكور، في ضوء ما يواجهونه من تحولات عمرية وسلوكية، وما يتصل بذلك من طبيعة المجتمع وعاداته وتقاليده.

ملاحظات على بيئة التنفيذ

وتطرق إلى آلية التنفيذ، موضحًا أن من بين ما أثار استغرابه افتراض موافقة المعلمة المسبقة على هذا النمط من التدريس، معتبرًا أن توقيعها على ذلك لا ينبغي أن يُنظر إليه بمعزل عن حاجتها إلى العمل والوظيفة. وأضاف أن التجارب السابقة التي اطلع عليها في بعض المحافظات كشفت، بحسب قوله، عن إشكالات متعددة واجهت البيئة المدرسية عند تطبيق هذا التوجه، شملت خصوصية المرافق المدرسية ودورات المياه والمخارج والفصول والزيارات، فضلًا عن أن مدارس الذكور لم تُهيأ أصلًا، من وجهة نظره، لتكون بيئة مناسبة لهذا النوع من التنظيم. ولفت إلى أن خصوصية المرأة في مثل هذه البيئات التعليمية ينبغي أن تحظى بمزيد من المراعاة، وأن تُصان بما يحفظ لها مكانتها وراحتها النفسية والمهنية.

دعوة إلى التريث

وأشار الحارثي إلى أن هذا الموضوع يضع بعض المعلمات بين الحاجة إلى العمل وبين اعتبارات أخرى تتصل بالبيئة المدرسية والقبول المجتمعي، مؤكدًا أنه يرجو من أولياء الأمور والأزواج والأسر التريث في هذا الشأن، وعدم التسرع في القبول به. وأضاف أن التجارب المرتبطة بتعيين المعلمات في مناطق بعيدة عن ولاياتهن أظهرت، في أحيان كثيرة، صعوبات نفسية واجتماعية انتهت بمطالبات بالنقل والتقريب، وهو ما يجعله يرى أن القبول السريع بمثل هذه الترتيبات قد يفضي لاحقًا إلى مشكلات أكبر. وأعرب عن أمله في أن تتحقق للمعلمات فرص العمل المناسبة في بيئات تعليمية تتسق مع طبيعة المجتمع وخصوصية المرأة.

مبررات الوزارة والحاجة إلى المراجعة

وفي حديثه عن المؤشرات التي دفعت وزارة التعليم إلى هذا التوجه، أوضح أن الحجة المطروحة تتمثل في وجود معلمين وافدين في بعض هذه الوظائف، وأن إحلال المعلمات مكانهم عُدّ من أولويات التوظيف، إلى جانب ارتفاع عدد الخريجات في التخصصات التربوية مقارنة بالذكور، نتيجة آليات القبول المعمول بها. غير أنه شدد على ضرورة إعادة النظر في هذا التوجه بما ينسجم مع خصوصية المجتمع العُماني وقيمه، مؤكدًا أن المرحلة العمرية للطلبة الذكور من الصف الخامس إلى الثامن، في تقديره، تتطلب وجودًا تربويًّا يسهم في بناء قيم المروءة والانضباط ويواكب طبيعة هذه السن. كما دعا إلى الإسراع في زيادة أعداد الطلبة الذكور المقبولين في التخصصات التربوية، بما يضمن تلبية الاحتياجات المستقبلية وتحقيق قدر أكبر من التوازن في توزيع المعلمين على مدارس الذكور.

المعلم رسالة قبل أن يكون وظيفة

وأكد الحارثي أن التعليم لا يرتبط بدرجات القبول وحدها، بل بالشغف والاستعداد والقدرة على العطاء، مبينًا أن المعلم الناجح هو من يملك الصبر والقدرة على نفي الذات، ويتحمل مسؤولية التربية والتعليم وتنشئة النشء، ويحيط بجوانب القوة والضعف لدى طلابه، كما يدرس احتياجاتهم السلوكية والتعليمية بدقة. ولفت إلى أن هذه المهنة تتطلب من صاحبها جهدًا مضاعفًا ووعيًا بطبيعة الرسالة التي يحملها، خصوصًا في المراحل العمرية الحساسة التي تحتاج إلى حضور تربوي متزن ومؤثر.

ما بعد البيان العاجل

وفي ختام حديثه، أوضح أن الخطوة التالية بعد البيان العاجل تتمثل في مطالبة لجنة التعليم بمجلس الشورى باستضافة معالي وزيرة التربية والتعليم والمعنيين في الوزارة، من أجل مناقشة الموضوع بصورة مستفيضة. وأضاف أن المجلس لم يتناول هذه القضية من فراغ، وإنما استجابة لما رصده من تفاعل مجتمعي واسع ونقاش متداول في المجالس ومنصات التواصل، مؤكدًا أن الحوار مع الوزارة هو المسار الذي يمكن أن يفضي إلى نتائج أوضح وقناعات أكثر اتساعًا، وصولًا إلى أسس تعالج هذا الملف بما يراعي خصوصية المجتمع ومتطلبات العملية التعليمية في آن واحد.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو