الوصال ــ أوضح سيف بن سعيد بن راشد البادي، عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عُمان ورئيس فرع الغرفة بمحافظة الظاهرة، خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، أن توظيف العُماني يظل هدفًا أساسيًّا ومسؤولية مشتركة لا خلاف عليها، غير أن مقاربة هذا الملف، من وجهة نظره، تحتاج إلى قراءة واقعية لطبيعة الأنشطة الاقتصادية وظروف السوق، بما يضمن إيجاد فرص عمل ملائمة للشاب العُماني، وفي الوقت نفسه يحافظ على استمرارية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وقدرتها على البقاء والنمو. ولفت إلى أن الضغوط التي يواجهها قطاع الأعمال اليوم لا تقتصر على قرار إلزام وجود موظف عُماني في بعض المؤسسات، بل تمتد إلى الرسوم والضرائب وتعدد الالتزامات المفروضة على أصحاب الأعمال، وهي معطيات يرى أنها باتت تشكل عبئًا متزايدًا على القطاع الخاص ورواد الأعمال.

مسؤولية مشتركة

وبيّن البادي أن أولوية الوظيفة للعُماني مسألة متفق عليها، وأن الجميع مع تمكين الكوادر الوطنية في سوق العمل، إلا أن الوصول إلى هذا الهدف يستلزم البحث عن الوظيفة المناسبة والبيئة الملائمة للشاب العُماني، لا سيما في ظل التباين الكبير بين القطاعات والأنشطة والمواقع الجغرافية. وأشار إلى أن ما يراه القطاع الخاص اليوم هو تراكم ضغوط متعددة، تتمثل في ارتفاع الرسوم وتعددها، فضلًا عن وجود جهات عديدة تفرض التزامات مالية على المؤسسات، وهو ما يجعل كثيرًا من أصحاب الأعمال يشعرون بأنهم يواجهون منظومة متكاملة من الأعباء التي تحد من قدرتهم على الاستمرار والتوسع. وأضاف أن القرار المتعلق بوجود موظف عُماني في كل مؤسسة، أو بحسب تصنيف بعض المهن والسجلات التجارية، لا يبدو في تقديره منسجمًا مع الواقع العملي لكثير من الأنشطة، خاصة مع اختلاف طبيعة النشاط من محافظة إلى أخرى ومن ولاية إلى أخرى.

قرار يحتاج إلى واقعية

ورأى أن المشكلة لا تكمن في مبدأ التوظيف ذاته، وإنما في آلية التطبيق وطريقة قراءة السوق، موضحًا أنه لا يمكن التعامل مع نشاط في مسقط بالطريقة نفسها التي يُتعامل بها مع نشاط مماثل في عبري أو ينقل أو ضنك أو البريمي أو المحافظات الأخرى، نظرًا لاختلاف القوة الشرائية والكثافة السكانية وطبيعة الحركة الاقتصادية في كل منطقة. وأضاف أن زيادة رسوم تجديد تراخيص العمل إلى أكثر من الضعف في بعض الحالات، عند عدم استيفاء متطلبات التوظيف، تطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت هذه المؤسسات تملك فعليًّا القدرة على توظيف عُماني ضمن إمكاناتها المالية الحالية، معتبرًا أن كثيرًا من هذه القرارات لم تُبنَ، بحسب تقديره، على دراسة واقعية كافية لطبيعة السوق ولا لخصوصية الأنشطة الصغيرة والمتوسطة.

ريادة الأعمال تحت الضغط

وأشار البادي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» إلى أن رائد الأعمال، وخصوصًا المتفرغ، يمثل قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، لأنه خفف في الأساس الضغط عن القطاع الحكومي من حيث طلب الوظيفة، وتحول في الوقت نفسه إلى مصدر إيراد للدولة عبر ما يدفعه من رسوم تراخيص وتجديدات وعقود إيجار وضرائب والتزامات مختلفة. وأضاف أن المؤسسة الصغيرة التي يعمل بها خمسة أو عشرة أو خمسة عشر عاملًا تسهم كذلك في تنشيط السوق وخلق دورة اقتصادية تمتد من الإيجارات إلى الحركة التجارية والخدمية، فضلًا عن أنها تشكل مصدر رزق لصاحبها بدلًا من بقائه في قوائم الباحثين عن عمل. ولفت إلى أن ما يلمسه اليوم من معاناة لدى رواد الأعمال، سواء من خلال ما يصل إلى الغرفة أو من خلال المعايشة الميدانية، يعكس حجم التحديات التي تواجه هذه الفئة، في وقت تحتاج فيه إلى مزيد من الدعم والتيسير، لا إلى مزيد من القيود.

ضغوط تمتد إلى أبعد من التوظيف

وأوضح أن الحديث عن إلزامية التوظيف لا يمكن فصله عن بقية الأعباء التي تتحملها المؤسسات، إذ إن هناك أيضًا التزامات تتصل بحماية الأجور والتأمينات والرسوم الشهرية والسنوية والغرامات، فضلًا عن صعوبات أخرى محسوبة وغير محسوبة قد تواجه صاحب النشاط. وذكر أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، سواء كان صاحبها متفرغًا أو لديه مصدر دخل آخر، تستحق مساحة أوسع من المرونة، ما دامت منشأة بصورة قانونية وتؤدي ما عليها من التزامات. وأضاف أن المطلوب هو منح هذه المؤسسات فرصة حقيقية لتثبت وجودها وتنمو تدريجيًّا، وعندها يمكن الحديث عن مراحل أوسع من التعمين والتأمينات، أما تحميلها أعباء إضافية منذ بدايتها فقد يؤدي، من وجهة نظره، إلى تقليص فرص بقائها قبل أن تشتد قدرتها الاقتصادية.

انعكاس مباشر على الأسعار

وأكد البادي أن أي كلفة إضافية تُفرض على المؤسسة التجارية ستنعكس في نهاية المطاف على المنتج أو الخدمة المقدمة للمستهلك، باعتبار أن التاجر في أي مكان يؤسس مشروعه من أجل تحقيق ربح، لا من أجل العمل الخيري، وبالتالي فإن التراخيص والرسوم والالتزامات الجديدة لا بد أن تنعكس على السعر النهائي. وبيّن أن هذا الأمر سيظهر في مختلف القطاعات، لأن المؤسسة ستسعى بطبيعة الحال إلى تغطية المصاريف الإضافية التي تراكمت عليها، ما يعني أن المستهلك النهائي سيكون هو المتحمل لجزء من هذه الكلفة. وأضاف أن هذا الاحتمال يجعل من الضروري إعادة النظر في القرارات من خلال دراسات متأنية تراعي واقع السوق، ونوعية الأنشطة، والاختلافات الجغرافية والديموغرافية بين المحافظات، حتى لا تقود المعالجات الحالية إلى ضغوط تضخمية أو إلى إرباك أكبر في السوق.

مخاوف من الإغلاق والعودة إلى نقطة البداية

ولفت إلى أن استمرار هذه الضغوط قد يقود بالفعل إلى إغلاق بعض المؤسسات الصغيرة التي لا تملك القدرة على تحمل المصاريف الجديدة، موضحًا أن المؤسسة التي يظل دخلها محدودًا ولا تقوى على موازنة التكاليف الإضافية لن يكون أمامها في النهاية سوى الإغلاق. وبيّن أن خسارة المؤسسة لا تعني فقط خروج صاحبها من النشاط الاقتصادي، بل تمتد آثارها إلى سلسلة أوسع تشمل خسارة الرسوم التي كانت تدخل خزينة الدولة، وتراجع عوائد الإيجارات، وعودة بعض أصحاب الأعمال إلى مربع الباحثين عن عمل، فضلًا عن التأثير على الملاك العقاريين وغيرهم من المستفيدين من بقاء هذه الأنشطة. واعتبر أن النتيجة النهائية في مثل هذه الحالات قد تكون عكسية، لأنها لا تحل مشكلة التوظيف، بل تنقل المشكلة من مكان إلى آخر وتضاعف آثارها على قطاعات متعددة.

بين التعمين الحقيقي والتعمين الشكلي

وتناول البادي فكرة التعمين من زاوية أخرى، متسائلًا عمّا إذا كان المطلوب تعمينًا حقيقيًّا أم مجرد تعمين شكلي، موضحًا أن التركيز ينبغي أن ينصب على التوظيف الحقيقي القائم على الحاجة والقدرة والاستدامة، لا على استيفاء شكلي قد يبدو منجزًا على الورق بينما لا ينعكس فعليًّا على استقرار الشاب العُماني أو اندماجه الحقيقي في سوق العمل. وأضاف أن التعمين الشكلي قد يفتح أبوابًا جانبية للتحايل، وقد يدفع بعض الأطراف إلى البحث عن مخارج بديلة دون أن تُحل المشكلة من أساسها. واستشهد بتجارب سابقة، مثل تعمين بعض الأنشطة ومنها الخياطة، موضحًا أن هذه التجارب لم تستمر في بعض المناطق، لأن المجتمع لم يتقبلها بالصورة التي افترضتها القرارات، كما أن الظروف الاجتماعية والعملية لم تساعد على استدامتها، ما أدى في النهاية إلى العودة للوضع السابق.

المتفرغ وغير المتفرغ

وأشار إلى أن التحديات لا تخص فقط رائد الأعمال المتفرغ، بل تشمل كذلك من يملكون أنشطة بسيطة إلى جانب أعمالهم أو دخولهم الأخرى، مؤكدًا أن هذه المؤسسات، مهما كان حجمها، تظل جزءًا من الاقتصاد وتؤدي دورًا في تنشيط السوق وتوليد إيرادات للدولة. وأضاف أن الغرفة، بوصفها الممثل الرسمي للقطاع الخاص، تنظر إلى هذه المؤسسات من زاوية قانونيتها ومساهمتها في السوق، وترى أن من حقها أن تحظى بمساحة من التيسير ما دامت قائمة بصورة نظامية وتلتزم بما عليها من رسوم ومتطلبات. كما لفت إلى أن المقصود بنمو المؤسسة ليس بالضرورة أن تتحول إلى سلسلة كبيرة أو مشروع واسع، بل أن تصل إلى مرحلة من الاستقرار والقدرة المالية تجعلها مؤهلة للتوسع في التوظيف بصورة واقعية ومتدرجة.

الاقتصاد القوي أساس التوظيف

وشدد البادي على أن جوهر القضية لا يُعالج بالقرارات الوقتية وحدها، بل بوجود اقتصاد قوي قادر على خلق الوظائف بصورة طبيعية ومستدامة، موضحًا أن أصل خلق الوظائف يرتبط بوجود قاعدة اقتصادية متينة وبيئة تشريعية تسهّل الاستثمار وتحفز القطاع الخاص على النمو. وأضاف أن تحميل المؤسسات الصغيرة أعباء إضافية لا يمكن أن يكون حلًّا جذريًّا، لأن هذه المؤسسات نفسها تحتاج إلى دعم كي تبقى وتكبر وتتحول إلى قنوات حقيقية للتوظيف. كما أشار إلى أن بعض الفرص قد تكون موجودة فعلًا، لكنها لا تتركز بالضرورة في المهن البسيطة محل النقاش، بل ربما في مجالات أخرى تحتاج إلى قراءة أوسع للسوق، وإلى تهيئة أفضل للقطاع الخاص، بما يخلق وظائف ذات جدوى واستقرار أكبر للشباب العُماني.

ضعف الربحية في بعض الأنشطة

وفي معرض حديثه عن الأنشطة الصغيرة، أوضح أن متوسط أجور العمالة الوافدة في بعض المهن البسيطة، مثل المغاسل الصغيرة، يتراوح غالبًا بين 100 و150 ريالًا، وقد يقل عن ذلك في بعض الحالات، ما يعني أن المؤسسة أصلًا تعمل بهوامش محدودة للغاية. وأضاف أن كثيرًا من هذه الأنشطة لا يعمل فيها سوى عاملين أو عدد محدود جدًا، وأن وضعها لا يمكن مقارنته بمؤسسات أكبر تمتلك فروعًا عديدة وإيرادات أقوى. ولفت إلى أن بعض هذه المحلات تعمل في نطاق حارة أو حي واحد، وتخدم دائرة محدودة من الزبائن، وأحيانًا تعتمد حتى على الصبر والدين والمجاملات مع الزبائن، وهو ما يعكس هشاشة وضعها المالي وصعوبة تحميلها أعباء إضافية من دون دراسة دقيقة لكل حالة أو لكل قطاع على حدة.

الحاجة إلى دراسة قطاعية وميدانية

وأوضح أن معالجة هذا الملف، برأيه، لا يمكن أن تتم عبر معايير موحدة جامدة، وإنما عبر دراسة كل قطاع على حدة، وربما من خلال نماذج ميدانية تعكس واقع كل محافظة ونوع النشاط فيها. ولفت إلى أن عدد المؤسسات الفاعلة كبير جدًّا، ما يجعل من الصعب زيارة كل مؤسسة على حدة، لكنه رأى أن من الممكن إجراء دراسات قطاعية ونماذج ميدانية أكثر واقعية، والاستفادة من التشاور مع الجهات المعنية في المحافظات والميدان للوصول إلى صورة أوضح عن قدرات المؤسسات، بدلًا من الاكتفاء بمعيار عدد العمالة فقط. وأضاف أن وجود عشرة عمال في منشأة ما لا يعني بالضرورة أن هذه المؤسسة تملك دخلًا قويًّا، إذ قد يكون هؤلاء موزعين على أنشطة صغيرة متعددة أو على فروع محدودة الربحية، وهو ما يجعل معيار العدد وحده غير كافٍ للحكم على قدرة المنشأة على تحمل التوظيف الإلزامي.

دعوة إلى التخفيف وإعادة النظر

وفي ختام حديثه، دعا البادي وزارة العمل إلى تخفيف الضغوط عن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والنظر إلى قدراتها المالية الفعلية بدلًا من الاقتصار على مؤشرات عددية أو شروط موحدة، مؤكدًا أن المطلوب هو تصحيح الأوضاع بواقعية ومنطقية ومن أرض الواقع. كما شدد على أن كثرة الرسوم المفروضة من جهات متعددة تضع هذه المؤسسات تحت عبء متراكم، في وقت لم تعد فيه القوة الشرائية ولا دخول الأفراد على المستوى الذي كانت عليه في سنوات سابقة، ما يزيد من حساسية الوضع بالنسبة لأصحاب الأعمال الصغار. وأعرب عن أمله في أن يُدار هذا الملف بروح تشاركية توازن بين هدف توظيف العُماني وضرورة الحفاظ على استمرارية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بما يخدم الاقتصاد الوطني ويصون فرص العيش والعمل في آن واحد.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو