الوصال - علي الريامي 

في صبيحة يوم السابع من أكتوبر 2023م استفاق الاحتلال الإسرائيلي على وقع عملية نوعية باسم "طوفان الأقصى" نفذتها كتائب القسّام التابعة لحركة حماس في غلاف غزة؛ بدخولهم عددا من المستوطنات الإسرائيلية، رافعين شعار قوله تعالى: "ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ".


كانت العملية مفاجئة وصادمة لجيش الاحتلال الذي يصف نفسه بالجيش الذي لا يقهر، ويتباهى بالردع الاستراتيجي وقبته الحديدية، وذلك بالنظر إلى التكتيك المستخدم في العملية مما جعل قيادة الاحتلال في حالة إرباك وذهول.


وبحسب وصف الخبراء والمحللين الاستراتيجيين لم يسبق أن تعرضت إسرائيل لهكذا عملية منذ حرب أكتوبر 1973م، نظراً إلى حجم الخسائر البشرية ما بين قتلى وأسرى وإصابات خطيرة، تعرض لها عدد كبير من الجنود الإسرائيليين بينهم قادة عسكريون كبار، والأهم من ذلك كله هو نجاح حركة المقاومة بنقل ميدان الحرب إلى الداخل الإسرائيلي.


ما يهم في هذه العملية رغم رد الفعل العنيف المتوقع من قوات الاحتلال أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى المشهد السياسي العالمي المشغول كثيراً بقضية الحرب الروسية الأوكرانية، متناسين أن هناك شعبا مقهورا ومذلولا هو الشعب الفلسطيني، وأن هناك مقدسات دينية تنتهك يوميا في القدس الشريف، وأن هناك أسرى فلسطينيين في سجون الاحتلال يواجهون التعذيب والتنكيل، وأن هناك أسرا تهجر قسراً وتهدم بيوتها وتسلب أراضيها، وأن هناك مستوطنين يدنسون المسجد الأقصى الشريف في كل يوم، ويمنعون المسلمين من أداء شعائرهم، حتى فاض الكيل.


من جهة أخرى هذه العملية تفضح كل المتعاملين مع الاحتلال، وكل من رضخ وساوم على حقوق الفلسطينيين، وكل من طبّع ويرغب بالتطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب، وكل من يعتقد أن السلام ممكن مع الكيان الصهيوني، وكل من يعتقد أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية كل مسلم وكل عربي شريف وأنها ستسقط بالتقادم.


هذه العملية تثبت مراراً وتكراراً أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وأن اتفاقيات السلام لم تكن سوى وهم وضعف وخنوع لكيان غاصب غاشم قاتل مستبد، مدعوم من قوى غربية أرادت بدعمها لهذا الكيان إضعاف الأمة العربية والإسلامية، لتكون إسرائيل الصهيونية دولة وظيفية كما يصفها المفكر المصري عبد الوهاب المسيري(رحمه الله) مهمتها الأساسية حماية مصالح الدول الغربية، ووأد أي محاولة للوحدة العربية، وكذلك تبني "سياسة العنف وإدامة العنف" على حد تعبير منير شفيق، بالتعاون مع أنظمة عميلة لإبقاء المنطقة في حالة من عدم الاستقرار، والغرق في المشاكل السياسية والاقتصادية وما تخلفه من أزمات اجتماعية للشعوب العربية والإسلامية.


ورغم أن تفاصيل ما حدث وما سيترتب عليه من نتائج لم يكشف عنه الستار بعد، سواء من قبل المقاومة الفلسطينية الباسلة، أو من قبل الكيان الصهيوني نفسه بعد أن يستفيق تدريجياً من الصدمة، إلا أن السيناريو المتوقع قيام الجيش الإسرائيلي بعملية قصف عنيف لقطاع غزة، وتنفيذ عمليات اغتيال للقادة الميدانيين من حركة حماس، ومن ثم تدخل دولي وعربي في سبيل إجبار المقاومة على وقف عملية طوفان الأسرى، ومهما يكن ستبقى هذه العملية خالدة في ذاكرة التاريخ، وستدرس في المدارس والكليات الحربية على المستوى الاستراتيجي والعملياتي والتكتيكي، كما وإنها ستبعث الأمل في نفوس الشرفاء من هذه الأمة مصداقاً لقوله تعالى: " قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ
 

--:--
--:--
استمع للراديو